تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
ما في سورة المؤمن « 1 » بقوله :
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
فلأن الأولى في ذكر قوم أخبر عنهم بقوله :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
فأخذ إقرارهم بأن اللّه تعالى هو الذي يرزقهم من مطر السماء ونبات الأرض وهو الذي يملك أسماعهم وأبصارهم ، فإن أحب سمعوا وأبصروا ، وإن لم يرد ذلك صموا وعموا ، وهو الذي يخرج الحي من الميت كالفرخ من البيضة ويخرج الميت من الحي كالبيضة من الدجاجة ، وإنه هو الذي يدبر أمور الخلق من ابتداء أحوالهم إلى انتهائها وكانوا ممن أخبر عنهم بقوله :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
« 2 » فباينوا بإثبات الصانع وما زعموه من معرفة الخالق من أنكره وجحد بآياته ، وفسقوا - بأن عبدوا معه غيره ولم يثبتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم ونبوته - الفسق الذي هو كفر لا ينتفع معه بالإقرار الأول فقال تعالى : هؤلاء الذين أقروا بالصانع وصفات فعلهم هم خرجوا عما دخلوا فيه بإنكار نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبعبادة آلهة مع اللّه تعالى كان ذلك فسقا لخروجهم عن حكم من يقر بما أقروا به . . . والفسق فسقان أحدهما : هو الكفر وتسميته به لهذا الوجه الذي قلناه وهو كقوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
« 3 » والثاني : فسق ليس بكفر كقوله تعالى :
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 4 » ليس المراد بهم الكافرين ، فأخبر عن هؤلاء بالذين فسقوا في سورة يونس كذلك . . وأما في سورة المؤمن فإنه لم يتقدمه مثل ما تقدم هنا بل قال تعالى قبله :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
« 5 » فأخبر عن الكفار الذين في عصرهم بأنهم كفروا بمجادلتهم في آيات اللّه فشبههم بالقوم الذين مضوا قبلهم حيث قال :
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
ثم قال تعالى :
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
فلما أراد الذين قدم ذكرهم في أول القصة وهم الذين أخبر عنهم بقوله :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ
« 5 » كان أن يصفهم بما وصفهم به قبل من الكفر أولى وأدل على أن المعنيين بوجوب النار لهم هم الذين قدم ذكرهم . الجواب عن المسألة الثانية وهي قوله :
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 7 » وقوله في سورة المؤمن
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
فلأنه
هامش
( 1 ) الآية : 6 . ( 4 ) سورة : النور ، الآية : 4 . ( 2 ) سورة : الزمر ، الآية : 3 . ( 5 ) سورة : غافر ، الآيتان : 4 ، 5 . ( 3 ) سورة : السجدة ، الآية : 20 . ( 7 ) سورة : يونس ، الآية : 33 .