تعالى أراد أن يبين أنهم وإن أقروا باللّه تعالى وأثبتوه خالقا قادرا صانعا غير مؤمنين ، وما داموا يعبدون غيره لا يؤمنون ، فالقصد إلى إبطال ما بذلوه بألسنتهم من الإقرار بخالقهم ، والقصد في الآية التي في سورة المؤمن توعدهم على كفرهم بالنار إذ لم يتقدم ذكر إقرار يشبه إقرار المؤمنين فيبطل بتركهم سائر ما أمر اللّه تعالى به .
الآية الثالثة من سورة يونس
قوله تعالى :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« 1 » وقال بعده في العشر التي تلي هذه العشر :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ
« 2 » وقال بعده في هذه العشر :
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا
« 3 » .
للسائل أن يسأل في ذلك عن مسائل :
إحداها : لما ذا كان في الآية الأولى « ما في السماوات والأرض » وفي الثانية « من في السماوات ومن في الأرض » ؟ وهل صلح « من » في الآية الأولى « وما » في الثانية .
والمسألة الثانية : ما الذي دعا إلى التوكيد في « من » حتى أعيدت في قوله :
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
ولم تعد « ما » في الآية الأولى عند ذكر الأرض ؟
والمسألة الثالثة : عما دعا إلى تكرير « ما » في قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
ولم يكررها في الآية الأولى في قوله :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ولم يقل : وما في الأرض .
الجواب عن المسألة الأولى : واختصاص « ما » حيث اختصت واختصاص « من » حيث اختصت هو أن الأولى جاءت بعد قوله :
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ
« 4 » فكان المعنى : أن النفس الظالمة إذا رأت عذاب اللّه لو ملكت جميع ما في الأرض لبذلته فداء نفسها ، وهي تحرص على اليسير من حطامها في ظلم أهلها ، فكرر
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 55 .
( 3 ) سورة : يونس ، الآية : 68 .
( 2 ) سورة : يونس ، الآية : 66 .
( 4 ) سورة : يونس ، الآية : 54 .