تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
« 1 » أي : هو قول لا حقيقة له ولا محصول وبمثله لا يدفع الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج ؛ لأن هذا النور وإن أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل فهو بخلافه في الامتناع من الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج ، والنور يجوز أن تكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن يكون المراد به القرآن ويجوز أن يكون المراد به النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما قال :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
« 2 » فالسراج المنير يسمى : نورا وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن يقال : حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال تعالى فيهم :
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 3 » من قبل أن يشاكلوا بإثباتهم للّه ابنا وشريكا قول من أثبت مع اللّه آلهة
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 4 » وهذا واضح وتعدي الإرادة إلى هذا المراد ظاهر وهو وجه الكلام والأصل . فأما الآية في سورة الصف وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة الكفر فإن للنحويين في ذلك مذهبين أحدهما : أن اللام توضع موضع « إن » لكثرة ما يقال : زرتك لتكرمني فاللام لما شهرت بنيابتها عن « أن » وقيامها مقامها في الموقع كان تعدي الفعل إليها مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى « أن » وما يتضمنه من المستقبل فيقال : قصدت أن تفرح ، وقصدت لتفرح وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة ، فأما المذهب الآخر فللمحققين وهو أن الفعل تعدى إلى مفعول محذوف واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون مبينة عن العلة التي لها أنشئ الفعل واللام في الآية على هذا التحقيق ، وهو أن المراد : يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور اللّه بأفواههم ، لأن قبلها
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ
« 5 » فقوله :
يُرِيدُونَ
لم يذكر مفعول ما يريدونه اعتمادا على ما نبه عليه بقوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
فكأنه قيل : يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور اللّه وعلى هذا قوله :
أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل عاديّ نمته ثمود
أي : أردت أن أنزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها أنها على عادي القامة
هامش
( 1 ) سورة : التوبة ، الآية : 30 . ( 4 ) سورة : التوبة ، الآية : 31 . ( 2 ) سورة : الأحزاب ، الآيتان : 45 ، 46 . ( 5 ) سورة : الصف ، الآية : 7 . ( 3 ) سورة : التوبة ، الآية : 30 .