الأولى في البيان فقال :
كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
أي : في تقدير اللّه الذي قدره لها وأخبر فيما قبل عن حكمه عليها .
وأما المسألة الخامسة فعن قوله في سورة الأعراف :
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
وقال في سورة النمل :
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
.
الجواب عنها : ما بينا وهو أن ذكر قصة لوط وقومه نزل القرآن به قبل ذكره في سورة الأعراف ، وتبكيتهم على الفاحشة وتعظيم أمرها وفحشهم فيها قبل الإخبار عن سبقهم إليها فكان قوله :
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
أي : لا تتكاتمون بها ؛ لأنهم كانوا في مجالسهم لا يتحاشون عنها ، وقيل : وأنتم تبصرون فحشها وشناعة قبحها ، وهذه صفة ترجع إلى الفعلة نفسها ، ثم إنهم لم يسبقوا إليها كما قيل في الخبر ، ما رؤي ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط ، وهذا وصف حقه أن يجيء بعد توفية الفاحشة حق وصفها في نفسها فأخر ذكره إلى الحكاية الثانية لهذه القصة ، وقد خاطبهم لوط عليه السّلام بذلك وبأكثر منه في مقامات إنكاره عليهم ودعائه لهم .
وأما المسألة السادسة فعن اختلاف المحكيات : إذ كان في سورة الأعراف والنمل : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا :
أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
و
أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ
وقال في سورة العنكبوت :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
.
الجواب عن ذلك : إن هؤلاء لما كرر عليهم لوط عليه السّلام الإنكار وأعاد إليهم الإعذار والإنذار قال في موقف ما حكاه اللّه تعالى ، فكان جوابهم له في ذلك الموقف ما ذكره اللّه تعالى ، والجواب الثاني وإن خالف الجواب الأول فهو من جهتهم ، وإذا خالفوا بين الأجوبة تناولت الحكاية مختلفها على أنه لو كان كل ذلك في موقف واحد لكان جائزا أن يكون جواب طائفة منهم ما ذكر أولا وجواب طائفة أخرى ما ذكر ثانيا وكل من الطائفتين قومه .
فإذا قيل ما كان جواب قومه أي : بعض قومه ، فإذا قاله بعض ورضي به الآخرون فكلهم قائلون أو في حكم القائلين فلا يقدح ما جاء من اختلاف أجوبتهم في الآيات التي نزلت في هذه القصة على ما يظنه المعترض ، وإنما يتعلق بمثله من جهل للأنبياء عليهم السّلام مواقفها ولم يعرف اللغات ومصارفها ، وهذا كثير في قصة موسى عليه السّلام مع فرعون وحكايتها في هذه السورة وغيرها مما تقف عليه إن شاء اللّه تعالى .