تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
لشكل البيت الشعري ، ففيه ضرب وعروض وقافية وصدر وعجز ، والمتعة في الآية كلّها ، وقد بدأ بالفاصلة لشدّة ظهورها ، ومن ثمّ عاد إلى نسق الكلمات داخل الآية ، فلا خلل حتى الوصول إلى إشباع هذه الموسيقية بالفاصلة ، وكلمة « مغدق » تشير إلى كثرة المياه ، ولذلك اتصلت بالكرم ، فقالوا : أغدق عليه ، أي أكثر العطاء ، وهاهنا تدل على سلاسة النطق ، ولين الحروف ، وهذا أيضا في « طلاوة » التي تنمّ على اللّيونة لا الخشونة ، والقرآن لم ينزع إلى غريب وحشي ، فقد نبذ ما هو سوقي ومستثقل ، ووثّق للأمة العربية ما هو رفيع سام ، وكأنّ « الطلاوة » ذلك التأنّق الفائق الحسن . ولم ينس الوليد جزالة القرآن وفخامته ، فهو « يحطم ما تحته » ، والعبارة هنا تشير إلى مناسبة الكلمات للمواقف ، فهي شديدة في موقف مثل قوله تعالى :
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
« 1 » ، ولينة في مواقف الرحمة والعطف ، والانسجام متحقق في الطرفين ، فمن دواعي الشدة والوعيد وجود الطاء والشين ، والوقوف على الدال وتكريرها ، وسكون الطاء ، ومثل هذا كثير . لقد اعترف بموضوعية خالصة بتفوق القرآن على الشعر ، يقول البيومي عن سبب مقارنة القرآن بالشعر هنا : « وإنما تحدث الوليد عن الشعر دون النثر ، مع ما كان في قريش من فرسان الخطباء ، لأنه بداهة دون الشعر تأثيرا ، وعمق نفاذ ، وأن سطوة البيان القرآني قد فاقت سطوة الشعر المأثور ، فأحرى بها أن تفوق الأقوال من خطب ومنافرات وأمثال » « 2 » . والشعر أعقد فينا من فن النثر ، ونضيف إلى كلام البيومي أن الوليد اكتشف بفطرته العنصر الموسيقى في الجزئيات ، وهو قلّ أن يراعى في النثر إلا ما يكون في شكله الظاهر من توازن وتسجيع ، وأن تنوع رويّ الفواصل يتبع تنوع المعاني ، وهذا غير وارد في النثر ، والقرآن لم يتحدّ قريشا وحدها ، بل تحدّى كل العرب ، وقد اشتهروا بالشعر ، بل كان في أسرة النبي عليه الصلاة والسلام
هامش
( 1 ) سورة البروج ، الآية : 12 . ( 2 ) البيومي ، د . محمد رجب ، 1971 ، البيان القرآني ، ط / 1 ، دار النشر ، القاهرة ، ص / 13 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 83 | احمد ياسوف