لفظه ، ويباريه في معانيه . . . وليس بأن يتحيّف من أطراف كلام خصمه ، فينسف منه ، ثم يبدّل كلمة مكان فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق » « 1 » .
وهو ينطلق من الواقع الأدبي لاستخدام الكلمة وتركيب الكلمات .
ونحن لا نطلب منه أن يقول مسيلمة بشر ، والقرآن كلام اللّه ، وعلى أية حال ، فالقرآن توحيد وتشريع وحقائق كونيّة لا تقرن بهذيان من انبهر بالشكل ، فقلّده في حركة يائسة ، وبدّل كلمات الإيقاع الموسيقى الذي اتسمت به السّور المكية القصار خاصة ، وظن أن الأمر سهل التناول والإحاطة به كما يوسوس له ، كأن يقول : « الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل . . . إلى آخر هذا الإسفاف .
ويعلّق الخطّابي على خطله في استخدام هذا النظم من وجهة نظر مضمونية : « أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة ، إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهي الغاية في معناه ، كقوله تعالى :
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
« 2 » ، وهنا يظهر معنى الترقيع ، وإنها لخطوة مباركة من الخطّابي ، لم نجدها عند من تلاه .
ومن مظاهر سبر الأغوار عند الخطّابي تمحيصه استخدام مسيلمة العابث للمفردة ، وقد فنّده الخطّابي بموضوعية ، فهو ينقد قوله : « ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى » فيقول : « فإنّ أول ما غلط به هذا الجاهل ، أنّه وضع كلمة الانتقام في موضع الإنعام . . وإنما تستعمل هذه الكلمة في العقوبات ونحوها ، وإنما وجه الكلام مما رامه من المعنى أن يقول : « ألم تر إلى ربك كيف لطف بالحبلى » « 3 » .
فكلمة « فعل » تعبر عن التهديد والعقوبة كما في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
« 4 » ، وقد وردت في ذكر عاد وثمود وفرعون ، وإلى
هامش
( 1 ) الخطابي ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 53 .
( 2 ) سورة الحاقّة ، الآية : 1 - 3 ، والخطابي ، ثلاث رسائل ، ص / 61 .
( 3 ) الخطّابي ، ثلاث رسائل ، ص / 63 .
( 4 ) سورة الفيل ، الآية : 1 .