معانيه ، فلا انفصام بين التدبّر والتذوّق .
ومن الدّلائل على الإعجاز الموسيقى في القرآن فواتح السور التي اختلف المفسرون حول المقصود منها ، وقيمة وجودها في هذا المكان ، وبعضهم شطّ به الخيال ، فربطها بحساب الجمّل « 1 » ، وبعضهم سلّم الأمر إلى الخالق ، وفوّض إليه التأويل .
وتتصدر هذه الفواتح السور المكية ، إلا سورتي البقرة وآل عمران ، فهما مدنيتان وهذا يعني وجودها في سور لاقت عنادا ونكرانا لمصدر القرآن ، فهي تبيّن عدم قدرة الناس على تأليف كتاب مثله أو من مثله ، وإن كان من جنس حروفهم ، والسورتان : البقرة وآل عمران مشتملتان على مقاصد القرآن المكي في إقامة الحجج على حقيّة القرآن ودعوته « 2 » .
ومن الذين تنبهوا إلى الأثر الموسيقى للفواتح الزركشي الذي لمس العلاقة بينها وبين الفواصل ، إذ تقوم هذه الفواتح مقام الافتتاحيات التمهيدية في المقطوعات الموسيقية ، ذلك عندما تمهّد لتماثل الرّوي ، كما في سورة آل عمران :
ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
« 3 » أو تقارب الرّوي ، كما في سورة البقرة :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
« 4 » ، وذلك لتقارب مخرجي النون والميم ، وهذا وارد في سور أخرى ، مثل : العنكبوت والشعراء والقصص ، وهناك تمهيد لتناغم المدود كما في سورة « صاد » « 5 » .
ويذكر الزركشي كثرة ورود الحروف المقطعة ضمن كل سورة تبتدئ بها فيقول : « وقد عدّ بعضهم القافات التي وردت في سورة ( ق ) ، فوجدها سبعا
هامش
( 1 ) أي ربط الحروف بأعداد معينة .
( 2 ) انظر عتر ، د . نور الدين ، 1989 ، القرآن الكريم والدراسات الأدبية ، ط / 1 جامعة دمشق ، ص / 85 .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 1 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 1 - 2 .
( 5 ) الزركشي ، بدر الدين محمد بن عبد اللّه ، 1988 ، البرهان في علوم القرآن ، ط / 1 تعليق مصطفى عبد القادر عطا ، دار الفكر ، بيروت ، 1 / 221 باختصار .