تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
الأول : ظاهر يتجلّى في الفواصل والحروف المقطعة ، والفواصل تشبه قوافي الشعر ، وتختلف عنها بالتمكن والتنوع . والثاني : جمال خفيّ مكنون بين الحرف والحركة ، ومن خلال الانسجام بين الصفير والإطباق والبطش والانزلاق ، وذلك في نسيج متكامل يأخذ كلّ جزء منه مكانه الطبيعي ، ووفق ما يناسب الموضوع شدة ولينا ، ولم يستطيعوا التعبير عن هذا النوع ، على الرغم من اعتراف فطرتهم به ، لندرته في الشعر ، ومجيئه فيه آليا من غير قصد ، وربّما بشيء من الفوضى والتنافر .

- شهادة معاصري نزول الوحي :

من أوائل الثناء على أسلوب القرآن ما جرى على لسان الوليد بن المغيرة الذي تنوقل كلامه في بطون كتب التاريخ والإعجاز والسيرة جميعا ، إنه يحضر ويسمع شيئا من القرآن ، ويقول السيوطي : « فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رقّ له . . . ، ويذكر قول الوليد : « فو اللّه للذي يقول حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته » « 1 » . لقد تناقل دارسو الإعجاز هذه العبارة بلا تعمّق في ماهية الكلمات ، وأبعادها ، فلا شك أنها تمثل نظرة فنية عميقة ، ووعيا للأثر الموسيقى ، فالرجل مدرك بفطرته ميزات ما يسمع واختلافه عما عهد ، فيقدّم رأيا معياريا ، إنه يريد بالحلاوة سهولة النطق بمفردات القرآن ، وهذا يتأتّى من جنس الحروف ونسقها وانسيابها ولينها ، وهو رقيق حلو لدى القارئ والسامع ، ولعلّه يؤكد هذه المزيّة من خلال ذوقه بوصفه « مثمرا أعلاه » ، فإذا كان هذا العلوّ هنا هو اللحن المختوم في الفواصل التي تتخذ لها أردافا « 2 » من المدود غالبا ، فإن « المغدق أسفله » هو الموسيقا الداخلية المبثوثة فيما قبل الفاصلة ، فهناك إذن تلذّذ في النطق والسمع ، وفي البداية والنهاية ، وذكر الوليد للمساحة مستمدّ من فهمه
هامش
( 1 ) السيوطي ، الإتقان : 2 / 253 ، وانظر ابن هشام ، عبد الملك ، 1981 ، سيرة النبي ، ط / 2 ، دار الفكر ، بيروت : 1 / 283 . ( 2 ) الأرداف جمع ردف حرف العلّة الذي يسبق الرّويّ .