تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
الصورة الفنية ، وهذا ليس ببعيد عن معنى الإيغال الذي ذكره لنا ابن أبي الإصبع . وهذه الفاصلة تقع من جهة الإعراب صفة للكلمة التي تكون قبلها ، فتعطيها إيغالا ، وزيادة تأثير ، ومن هذا قوله تعالى :
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
« 1 » ، فإنّ هذه الفاصلة أضافت إلى غباء الحمر ضعفها ، فهي تهرب من اللّيث ، وهذا يصوّر مقدار إنكار الكفار وتهربهم من الرسالة السماوية . وكذلك قوله تعالى :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
« 2 » فالفاصلة توحي باستدامة هذه النار ، والفاعلية تضاف إلى الماهيّة ، ويمكن أن نقول هذا في قوله تعالى :
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
« 3 » ، وكذلك قوله :
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
« 4 » ، فهاتان الكلمتان تكملان الصورة أمام البصر ولا تدعان للنّقص مكانا ، إضافة إلى جمال المحافظة على الرّنّة الموسيقية . نستنتج مما سبق أنّ جمالية تمكّن الفاصلة لم تكن وليدة عصرنا ، فقد أفاض القدامى في بيان مضمون الفاصلة ، وحقّه من الوجود ، وبعدها عن التكلّف والقلق في مكانها ، وردّوا تهمة السّجع ، بيد أنهم لا ينفون قصد القرآن إلى الترنيم بالفواصل ، وذلك بتقديم معنى الفاصلة وأهميّته في الآية على المراعاة اللفظية . وكان لكلّ دارس أسلوبه في إبراز تمكّن الفاصلة ، وقد أثبتنا في الفقرة وقفات رائعة لهم ، وبيّنّا المعيار الذي يعتمده كلّ منهم ، فهناك المعيار اللغوي ، ودقّة الاستعمال والفروق ، وهناك معيار النظر إلى أوّل الآية ، ولم تخل نظراتهم من تمحيص وكشف لظلال الفاصلة ، وقد وجدوا جمالها يتوزّع بين مناسبتها لما قبلها ، وإضاءتها للنص بمعنى جديد ، وقد تبيّن لنا أن القدامى بذلوا جهدا كبيرا في هذا المضمار ، لم يزد عليه المحدثون كثيرا .
هامش
( 1 ) سورة المدّثّر ، الآية : 50 . ( 2 ) سورة الليل ، الآية : 14 . ( 3 ) سورة الهمزة ، الآية : 9 . ( 4 ) سورة الحاقّة ، الآية : 22 .