تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
قوله تعالى :
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
« 1 » ، أراد تتميم المعنى بذكر تولّيهم في حال الخطاب ، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة ، فإن الأصمّ يفهم بالإشارة ما يفهمه السّميع بالعبارة ، ثم اعلم أن التولّي قد يكون بجانب من المتولّي ، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتولّ به » « 2 » . وكأن عنوان هذا الفن يوحي بأن البيان القرآني يوغل في المعنى ، وفي رسم المشاهد حتى يكون التصوير واضحا للعيان ، ومؤثّرا بشكل أقوى . والشواهد التي قدّمها ابن أبي الإصبع تميل إلى المعيار اللغوي دائما ، ولهذا لم يكن منه تخيّل للإيحاءات النفسية التي تضيفها الفاصلة الموغلة ، وهذا نستشفّه في تفسير أبي السّعود الذي سار على خطا الزمخشري ، ففي تفسيره للآية :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
« 3 » يقول : « والجلود عطف على « ما » وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل ، أو للإشعار بغاية شدّة الحرارة ، بإيهام أنّ تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر ، مع أن ملابستها على العكس » « 4 » . فهو لا يسمّي هذا الفنّ ، ولا يذكر شواهد شعرية شأن ابن أبي الإصبع ، وهذه طبيعة كتب التفسير البياني المختلفة عن طبيعة كتب الإعجاز والبلاغة ، ولكن يؤخذ عليه هنا تعدّد في الرأي ، فرأيه بين مراعاة الفواصل ، وأهمية معنى الجلود . ولا شك أن كلمة الجلود هنا تنمّ على الإحساس بالنار التي تصهر ، وهي كذلك توحي بالفروج ، وما يتصل بها من زنى وقبائح ، وأنّ الوقوف عليها يبعث في روع المرء رهبة ، وقد تبيّن في العلم الحديث أنّ الجلد مستقل بمراكز إحساس ، ولا يتلقّى الإحساس من الباطن . لقد وردت في القرآن فواصل يظنّ أنها زائدة ، وفائدتها تكمن في إحكام
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 83 . ( 2 ) ابن أبي الإصبع ، تحرير التحبير ، ص / 234 . ( 3 ) سورة الحجّ ، الآية : 20 . ( 4 ) أبو السّعود العماديّ ، محمد بن محمد ، إرشاد العقل السليم : 6 / 101 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 322 | احمد ياسوف