تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
ولا تجد في الكلام أوضح وأصدق من هذه الصورة التي التقطتها هذه الكلمات الثلاث للموقف المتأزّم الخانق بين يعقوب وأبنائه ، وبعد أن فعلوا فعلتهم بيوسف » « 1 » . ولم تحظ الكلمات المصوّرة لمعناها بمثل هذه الطريقة الصوتية التحليلية عند كلّ الباحثين ، وهذه السّمة الفنية في الوقت نفسه ، لم تدرس كثيرا ، وإن درست فلا نقع على منهج واضح موضوعي بل نقع على منهج ذاتي شأن قطب ، ومن اقتفى أثره ، فقد سار الكثير في تيار واحد من الإجمال ، وقد مررنا ببعض الشّذرات التي ابتعدوا فيها عن مسار الغموض ، فكثيرا ما ترد التعبيرات على شكل تسبيحات ، ولا نستطيع أن نربط بين هذا التّسبيح وبين الشاهد الصّوتي في المفردة القرآنية ، وربّما لم تدرس هذه الجمالية كثيرا خشية هذا المزلق أو الانفعال إن صحّ التعبير . ومثل هذا جاء عند ضياء الدين عتر عند إشادته بهذه الجمالية واستشهاده بأوائل سورة الحج « 2 » ، وكذلك ما جاء عند البوطي حول كلمة « أغطش » ، من قوله تعالى :
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
« 3 » . كانت غايتنا في هذه العجالة أن نقتصر على ما هو واضح مبرّر في أكثره لدى الباحثين ، فلا نحب أن نحمّل المفردة ما لا تحمل ، ولا أن نحمّل الباحث أيضا ما لا يحمل ، لأننا لا نريد ضربا من التّخمين . ولا شكّ أن مما يزيد إجلالنا لهذه الجمالية في مفردات القرآن الكريم معرفتنا أن هذا الانتقاء الصّوتي لا يراعي ظاهرة تجسيم المعاني فحسب ، بل هناك ترابط للأفكار ، وتمكّن المفردة من المعنى المرتجى ، فلا تكون عنصرا جماليا مخلّا بالسياق إذا راعت قضية شكلية ، وكذلك هناك مراعاة النّسق الموسيقى ، وهي رمزية شفّافة لا تعسّف فيها ولا افتعال .
هامش
( 1 ) الخطيب ، د . عبد الكريم ، إعجاز القرآن للخطيب : 2 / 273 ، ونرى أن التاء من حروف الانفتاح لوجود فتحة بين اللسان والحنك عند النطق بها . ( 2 ) عتر ، د . حسن ضياء الدين ، بيّنات المعجزة الخالدة ، ص / 313 . ( 3 ) البوطي ، محمد سعيد رمضان ، من روائع القرآن ، ص / 142 ، سورة النازعات / 29 .