تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
يقول عن لفظة « يتجرّعه » : « وما أحسب شفتيك إلا منقبضتين استقباحا واستهجانا لحال الكافر الذي يتجرع صديده ، ولا يكاد يسيغه ، فتستشعر في لفظة التجرّع ثقلا وبطءا يدعوان إلى التّقزّز والكراهية » « 1 » . والباحث لا يدّعي تصوير المشهد بالصّوت ، بل يكتفي بلفتة الزمخشري النّفسية ، وهذا الثّقل أو الشّدة موطنه في قوة الجيم والرّاء ، والأخير متكرر بطبعه ، وهو مضعّف هنا ، وتعطي العين الاحتكاكية شيئا من مظهر التقزّز الحسي ، فهذا التشكيل الصوتي يجسّد صعوبة دخول الصّديد ، وليس في المفردة حرف ليّن أو هامس . والجديد عند صبحي الصالح أن عملية التجسيم هذه لا تقتصر على معاني القوة والبطش والتهديد ، فقد رأيناه يتحدث في المكان نفسه عن همس السين التي ناسبت موقف تصوير الصبح في سورة التكوير . وهنالك وقفات متناثرة لعبد الكريم الخطيب حول هذه الجمالية ، وهو لا يجمعها تحت عنوان معيّن ، بيد أنّها غنيّة المضمون ، غزيرة في استكشاف الإيحاءات ، وكما قلنا سابقا إنه لا يقف عند مفردة واحدة ، بل يفتّش عن معنى الآية المتجسّد في توالي أصوات مناسبة ، ولا يدّعي أكثر من المناسبة كما هي الحال عند صبحي الصالح ، فالأمور ظنّية وليست قطعية غامضة ، كما ورد في أسلوب قطب . لقد ذكرنا شاهدين في الفقرة السابقة للخطيب في سياق إبعاد ما يسمّى بالثّقل الصّوتي ، وهاهنا نورد ما ذكره حول الآية الكريمة :
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
« 2 » ، فنقرأ في كتابه : « استمع إلى هذه الموسيقا المتدفّقة منها تدفّق السّيل الهادر في لجّة البحر العميق ، إنها لو صيغ منها لحن موسيقي يجري مع مقاطعها ومخارجها ، لكان منه أروع نغم تسمعه الأذن ، فالتاء من الحروف المتفجّرة ، وإذا كانت مفتوحة اتسعت رقعة انفجارها ، فإذا وقع بعدها سكون كان هو القرار الذي يمسك هذا الدّويّ الحادث من التفجير ( تل - تف - تذ ) ،
هامش
( 1 ) الصالح ، د . صبحي ، مباحث في علوم القرآن ، ص / 336 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 85 .