تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
لقد حاولنا تقديم مصداق لوجود هذه الجمالية من خلال ما هو صادق مبرّر عند الباحثين ، وقد حاولنا تقديم التبرير من خلال طبيعة الأصوات ، وهناك ما كان متوهّما تمخّض عن إسقاط نفسي لدى الباحثين مما يحدو بهم إلى المبالغة أو الاستكناه ، وهذا ما نرفضه في دراسة القرآن دراسة علمية منهجية . إن المفردات القرآنية المصوّرة بأصواتها بحاجة شديدة إلى دراسة صوتية معيارية ، فإذا كانت مستورة خفيّة ، فإن الذوق العادي يمرّ بها عابرا ، وتحتاج إلى ذوق ودربة وثقافة صوتيّة . ويطيب لنا في ختام هذه الفقرة أن نورد رأي درويش الجندي الذي يعضد رأينا في شفافية رمز الموسيقا القرآنية ، فقد قال : « وإذا علمنا أيضا أن موسيقا القرآن الكريم أحد عوامل البيان والوضوح في تصوير المعاني ، وإبراز الأفكار ، عرفنا الفرق الشاسع بين هدف الموسيقا هنا ، وبين هدفها في الرمزية الأوروبية ، إذ كانت تهدف من وراء الموسيقا الإيحاء المبهم الغامض الذي يتحقق في جو موسيقي تكون فيه الأنغام هي الناطقة فقط ، مع تعمّد كتم أنفاس الوسائل الأخرى التي تعين على الإبانة والإفصاح ، لتحقيق الغموض المنشود » « 1 » . فالقصد في القرآن ليس فنا خالصا ، كما هي الحال في بعض الأدب إذ تكون الكلمات غمغمات وتأوّهات فارغة ، ذلك لأن الغموض فيه رغبة منشودة ، وهذا أدعى إلى العبث والفوضى ، وتعالت كلمات اللّه عن هذا الإسفاف ، فالقرآن كتاب
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 2 » . وفيه تتكاتف الجزئيات لأجل الوضوح والتأثير الأقوى . ولم تستعص كلمات هذا الكتاب على كل من قدّم جهدا فكريا في تفسير معانيه ، كما لم تتخفّ معالمه الجمالية على كل متذوّق عالم ، قال تعالى :
هامش
( 1 ) الجندي ، د . درويش ، 1958 ، الرمزية في الأدب العربي ، ط / 1 ، مكتبة نهضة مصر ، القاهرة ، ص / 193 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 1 .