ويبدو جليّا أن هذا الاحتمال لم يوفّق فيه الباحث ، فهل يستشفّ القارئ في « نقعا » -
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً
« 1 » - إلا دلالتها على الغبار الكثيف ؟ ومن الواضح أن أصوات المفردة هنا في حالة اعتباطية قطعت صلتها بالمعنى ، وصارت رمزا خالصا .
وقد غاب عن ذهن المبارك هنا ، أن صيغة الفواصل في السورة بسكون الوسط والتنوين « ضبحا قدحا نقعا جمعا » ما يناسب مقام الغضب ، ومعاني الزّجر والوعيد ، فكأن الكلمات قذائف تختم بها الآيات قصيرة المدى :
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
« 2 » .
وهذا المشهد العنيف لا يصوّره لنا الفنّ الزّمني ، وربما يستعصي على الفن المكاني ، والجدير بالذّكر أنّ الفاصلة لا تقف على المدّ كما هي الحال في سورة مريم ، بل على قوة التنوين ، ولعلّه يريد من تكرار قوّة التنوين في الفواصل تكرار وقع الحوافر .
أما كلمتا « بعثر » و « حصّل » في الآيتين :
إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
« 3 » ، فإنّ ماهية جرس الحروف لا تكفي وحدها لهذه المناسبة ، بل تواكبها الحركات ، وهذا ما قد لحظه الباحث ، فالصيغة الصّرفية تؤدي دورا مهمّا ، فكلمة « بعثر » لولا ضمّ الباء فيها التي تنطبق عندها الشّفاه للضم أيضا ، وكسر الثاء اللّثوي مما يتطلّب تراخي الشّفتين وانفراجهما لولا هذا لما شممنا رائحة المعنى في أصوات المفردة ، فالضّم يتبعه انفراج الشّفتين ، ثم يتبع هذا الفتح على الرّاء ، فهذا يمثّل في رأيه مشهد الانتشار بعد الخروج من القبور ، ولكن ما أكثر الكلام الذي نجد فيه الضّم ثم انفراج الشّفتين ، وعلى هذا نقول إن الصّوت والصّويت لا يوظفان في كل موضع لتصوير الحدث ، وكان على الباحث أن ينتبه إلى ذلك .
هامش
( 1 ) سورة العاديات ، الآية : 4 .
( 2 ) سورة العاديات ، الآيات : 1 - 5 . الضّبح : صوت أجواف الخيل وأنفاسها .
( 3 ) سورة العاديات : الآيتان : 9 - 10 .