ويمكن أن نقول مثل هذا في « حصّل » ، ونخلص إلى أن المبارك على الرغم من كونه ملمّا بفقه اللغة لم يتزحزح كثيرا عن منهج قطب ، ووقفاته على قلّتها في حاجة ماسّة إلى تبرير ما يجعل الشّكل الصوتي مصوّرا .
ويجب أن نكون حذرين في هذا المقام لأن هذا الأمر أصلا فرضيّة متحقّقة في بعض المفردات ، ولأن الاحتمال يخطئ ويصيب .
ولا بدّ من الإشارة إلى أن ابن جني قد رصد الكلمات التي أدخلت حرفا ما فاشتركت في معنى واحد ، كأن تدخل الفاء على الدّال ، والتّاء والطاء والراء واللام والنون فتشكّل كلمات كلها تدلّ على الضّعف والوهن ، مثل فتور ، فرد ، الفارط ، الرّديف ، الطّفل وغيرها « 1 » .
ويتحدث صبحي الصالح عن جمال المفردة في فصل الإعجاز من كتابه « مباحث في علوم القرآن » ، ويخصّص صفحات ثلاثا للمفردات المصوّرة بأصواتها ، إذ يقول : « تكاد تستقلّ بجرسها ونغمها بتصوير لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهيا أو شاحبا ، والظّلّ شفيفا ، فحين تسمع همس السين المكررة تكاد تستشفّ نعومة ظلّها ، مثلما تستريح إلى خفّة وقعها في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
« 2 » ، بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة « تحيد » بدلا من تنحرف أو تبتعد ، في قوله :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
« 3 » .
وهو ينتقل مباشرة إلى الأثر النفسي ، ولا يتغلغل في صفات الحروف بما يرضينا ، خصوصا أنّه ذو ثقافة متخصّصة باللغة ، ومن هذا القبيل عندما يورد الآية الكريمة :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ، يَتَجَرَّعُهُ ، وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
« 4 » ،
هامش
( 1 ) انظر ابن جني ، الخصائص : 2 / 145 .
( 2 ) سورة التكوير ، الآيات : 15 - 18 .
( 3 ) الصالح ، د . صبحي ، مباحث في علوم القرآن ، ص / 385 ، سورة ق / 19 .
( 4 ) سورة إبراهيم ، الآيتان : 16 - 17 .