وكان أبو عبد الله " هذا " رجلا عالما شديد الذكاء والجلد ، فاضلا بصيرا بكل الأمور ، وله مؤلفات كثيرة في كل فن وعلم ، ولما ولى الوزارة كتب رسائل إلى كل ممالك الدنيا ، وطلب فاستنسخوا له رسوم جميع الدواوين والبلاطات ، وأحضروها عنده ، مثل ولاية الروم والتركستان والهندوستان والصين والعراق والشام ومصر وزرنج وزابل وكابل والسند والعرب ، فوضع هذه النسخ أمامه وتأملها جيدا ، ونقل عنها كل ما هو حسن متفق ، وترك ما كان مذموما ، وأخذ هذه الرسوم الجيدة ، وأمر فاستعملها أهل البلاط والديوان في بخارى ، وانتظمت كل أعمال المملكة برأي وتدبير الجيهانى وخرجت فرق من الخوارج ، فأرسل لكل منها جيشا ، فرجعت كلها منصورة مظفرة ، ولم يقصد عملا قط إلا وظفر بمقصوده ( منه ) .
ولما تولى نصر بن أحمد الإمارة كان عم والده إسحاق بن أحمد هو أول من شق عليه عصا الطاعة في سمرقند ، ونصب ابنه إلياس بن إسحاق لشؤون الجيش ، فجهز جيشا إلى بخارى وأرسل نصر حمويه بن علي للقائه ، ولحق كلاهما بالآخر في خرتنگ 109 ، وتقاتلا في رمضان سنة إحدى وثلاثمائة ، ولم يمض طويل حتى هزموا إسحاق ، وتقهقر إلى سمرقند ، وذهب حمويه بن علي في إثره ، وضاق الأمر عليه حتى تنغص عيشه ، فلما اضطر اضطرارا شديدا كتب رسالة يطلب فيها الأمان ، فأمنوه حتى قدم إلى بخارى ، وأحسنوا إليه هناك حتى مات .
ولما استولى الحسين بن علي على سيستان طمع في أن يعطوها له ولكن لم يعطوها فاستوحش من ذلك ، وكان ينتظر خراب دولة أحمد ، ولما مات أحمد شق عصا الطاعة في هرات ، وظل فترة هناك على هذا الحال من العصيان .
وذات يوم عرض الجيش ، وقصد نيشاپور ، فأرسلوا أحمد بن سهل لحربه من بخارى ، فقدم أحمد إلى هرات وفتحها ، وطلب المنصور بن علي أخو الحسين الأمان ، وقدموا إلى أحمد بن سهل . وتوجه أحمد إلى نيشاپور في شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثمائة وحارب الحسين بن علي وأسره وأقام في نيشاپور . وكان محمد بن أجهد صاحب شرطة بخارى في مرو قد قدم عند أحمد بن سهل مع محمد بن المهلب بن زرارة 110 المروزي ، ورجعوا من هناك ، وذهبوا إلى بخارى .
تاريخ گرديزى ( زين الأخبار ) — صفحة 213
مساهمون: عبد الحي بن الضحاك بن محمود الجرديزي ( گرديزى )
ص٢١٣