الخصيصة الثانية : الانشغال عن التفسير بالحديث ، والمغازي ، والسير ، والفقه الأثري :
انشغل أهل المدينة بالحديث والأثر ، بسبب توافر عدد كبير من الصحابة بها ، كلهم يحدث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فتلقف التابعون بالمدينة حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من أفواه الصحابة ، واهتموا به ، واعتنوا بحفظه ونشره ، ولا سيما الأنصار ، حتى شهد لهم ابن عباس - رضي اللّه عنهما - بقوله : وجدت أكثر حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عند هذا الحي من الأنصار « 1 » .
ولأجل هذا الاهتمام قبل كثير من أهل العلم رأي أهل المدينة وعلمهم ، وجعلوه حجة ، قال زيد بن ثابت : إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة « 2 » .
وما ذاك إلا لاهتمامهم بالسنة والحديث ، فهم أكثر اهتماما بذلك من مدرسة الكوفة مثلا ، التي أقلت من رواية الحديث ، وأكثرت من الآثار عن الصحابة « 3 » .
وترتب على ذلك أن الأئمة كانوا يقدمون أهل المدينة على أهل العراق في الحديث « 4 » .
كما اهتم أهل المدينة أيضا بالمغازي والتاريخ ، بل كانوا المقدمين في ذلك ، يقول شيخ الإسلام : إن أعلم الناس أهل المدينة ، ثم أهل الشام ، ثم أهل العراق ، فأهل المدينة أعلم بها ؛ لأنها كانت عندهم « 5 » .
ولذا نجد الزهري من صغار التابعين قد برز في علم المغازي ، وكان ابن إسحاق
هامش
( 1 ) سنن الدارمي ( 1 / 141 ) .
( 2 ) المعرفة ( 1 / 438 ) .
( 3 ) الرفع والتكميل ( 87 ) .
( 4 ) المعرفة ( 1 / 438 ) .
( 5 ) مجموع الفتاوى ( 13 / 346 ) .