وفي ذلك يقول : كنت بالمدينة يوم قتل عثمان وأنا ابن أربع عشرة سنة « 1 » ، ثم نشأ وعاصر أحداث هذه الثورة ، وما تلاها من انشقاق وفتن ، وعاش فتنة ابن الأشعث في البصرة ، التي خرج فيها عامة القراء ، والزهاد ، والعلماء ، التي هزم فيها ابن الأشعث وأصحابه « 2 » .
هذا وغيره مما جعل الحسن يبتعد عن هذه الفتن ، وينهى عنها .
ولم يكن ذلك جبنا ، وخوفا ، فهو الذي شغل في صباه بالجهاد عن طلب العلم « 3 » ، وهو الواعظ المشهور الذي كان يأتي الحكام فيأمرهم ، وينهاهم ويذكرهم باللّه ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، وإنما كان هذا البعد من الفتن منهجا اختطه هذا الإمام عن قصد ، وتوجه ؛ ولذا عده بعض الأئمة من رؤوس العلماء في الفتن ، والدماء « 4 » .
ومما جاء من خبره في هذه الفتن ، أن الناس أشاروا على ابن الأشعث إن أراد أن يخرج الناس معه أن يخرج الحسن ، يقول ابن عون : استبطأه الناس أيام ابن الأشعث ، فقالوا له : أخرج هذا الشيخ ( يعني : الحسن ) ، قال ابن عون : فنظرت إليه بين الجسرين ، وعليه عمامة سوداء ، قال : فغفلوا عنه ، فألقى نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم ، وكاد يهلك يومئذ « 5 » .
ولما سئل عن الحجاج ، فقيل له ، يا أبا سعيد ، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام ، وأخذ المال الحرام ، وترك الصلاة ، وفعل وفعل ؟
هامش
( 1 ) السير ( 4 / 569 ) ، وأخبار القضاة ( 2 / 6 ) .
( 2 ) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الفتنة : فهزموا ، وهزم أصحابهم ، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا ، واللّه تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين والدنيا ، وإن كان فاعل ذلك من أولياء اللّه المتقين ومن أهل الجنة ، ينظر منهاج السنة ( 4 / 528 ) .
( 3 ) السير ( 4 / 572 ) .
( 4 ) طبقات ابن سعد ( 7 / 163 ) ، والسير ( 4 / 575 ) .
( 5 ) طبقات ابن سعد ( 7 / 163 ) ، وتاريخ الإسلام ( ح 110 ه / 53 ) .