ثانيا : النص المطلق ما زال كما هو دليلا على الحكم ، مع ملاحظة القيد في المقيّد ، أما المنسوخ فلا يمكن أن يعتبر دليلا بعد نسخه ، فالتقييد على هذا وصف للنص الأول ، والنسخ ليس كذلك ؛ لأنه إهدار للنص الأول .
هذا في النسخ الكلي ، نعم من يرى النسخ الجزئي يكون الباقي من الحكم الأول معمولا به « 1 » .
ثالثا : التقييد مفرد ، والنسخ جملة .
رابعا : التقييد قد يكون مقارنا ، أما النسخ فلا يكون إلا متأخرا « 2 » .
فآية الوضوء مثلا وهي التي شرع فيها التيمم أيضا ، قد ورد فيها لفظ اليد مقيّدا في الوضوء بالغاية في قوله تعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
، ومطلقا في التيمم في قوله تعالى :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
« 3 » .
فقيّدت في التيمم بالمرافق أيضا « 4 » ؛ حملا للمطلق على المقيّد .
خامسا : التقييد قد يكون في الأوامر والأخبار وغيرهما ، سواء اشتملت هذه على حكم شرعي أو لا ، أما النسخ فلا يدخل إلا على الأحكام الشرعية والتقييد في الأوامر قد سبقت أمثلته .
أما التقييد في الأخبار ، فمثاله قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
« 5 » الآية ، فإن قوله تعالى : نؤته منها مطلق غير مقيّد ، جاءت الآية الثانية ، وهي قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
« 6 » ، فالآية هنا قد قيّدت بالمشيئة ، فتحمل الآية الأولى على الثانية ، وتقيّد بالمشيئة أيضا ، فإن المراد أن الله تعالى يعطى ما يشاء من خير الدنيا لمن يريد له ذلك « 7 » ؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما أراده ، قال تعالى :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
.
وبهذا نكون قد ذكرنا وجوه الاتفاق والاختلاف بين النسخ والتقييد ، ووضح تماما الفرق بينهما .
هامش
( 1 ) انظر النسخ بين النفي والإثبات 1 / 148 .
( 2 ) انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي 3 / 919 .
( 3 ) سورة المائدة من الآية 6 .
( 4 ) انظر فواتح الرحموت 1 / 361 .
( 5 ) سورة الشورى من الآية 20 .
( 6 ) سورة الإسراء من الآية 18 .
( 7 ) انظر النسخ في القرآن الكريم 1 / 158 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 148 .