تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
فإذا نظرنا إلى الآيتين ، نجد أنهما قد اشتملتا على حكم واحد ، وهو وجوب إعتاق رقبة ، ولكن سبب الحكم مختلف في كل من الآيتين ، فالآية الأولى سبب الإعتاق فيها الظهار ، والآية الثانية ، سبب الإعتاق فيها القتل الخطأ فهل يحمل المطلق على المقيّد ، اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة : إحداها : عدم حمل المطلق على المقيد لا باللفظ ولا بالقياس . وهو مذهب الحنفية ؛ اطرادا لمذهبهم ، من أن الأسباب لا تتنافي - كما سبق - . ثانيها : أنه يحمل عليه مطلقا بطريق اللفظ ؛ لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة وهو قول لبعض الشافعية . ثالثها : وهو الأظهر من مذهب الشافعية أنه إن حصل قياس يقتضي تقييده قيّده كما في آية الظهار وآية القتل ؛ فإن كلّا من الرقبتين قد وجبت تكفيرا لذنب ، وهذا وجه جامع يصحح القياس . وهذا القول الثالث هو الراجح ؛ لأن حمل المطلق على المقيّد مطلقا من غير دليل يخالف ما درج عليه التشريع من إرادة الإطلاق من المطلق في بعض المواطن ، وإرادة تقييده في مواطن أخرى ، وعدم الحمل مع وجود الدليل فيه تعطيل لهذا الدليل « 1 » . وبعد هذا نستطيع أن نقارن بين النسخ والتقييد ، فنبيّن أوجه الاتفاق إن وجدت ، وأوجه الاختلاف كذلك ، فنقول : أولا : النسخ والتقييد يتفقان في أن كلا منهما بيان للمطلوب . ثانيا : أن كلّا منهما قائم على التعارض بين نصين ، وإن كان التعارض في التقييد لا يعد تعارضا إذا قيس بالتعارض الذي عليه النسخ ؛ لأن التقييد فيه عمل بالدليلين بخلاف النسخ ؛ فإن فيه عملا بالدليل الناسخ ، وإهدار للدليل المنسوخ « 2 » . هذان هما وجها الوفاق بين النسخ والتقييد ، أما أوجه الخلاف فخمسة نوردها فيما يلي : أولا : النص المطلق لم يرفع حكمه ، وإنما ضاقت دائرته بالقيد الذي حواه النص المقيد ، وأما المنسوخ فقد رفع حكمه بالدليل الناسخ .
هامش
( 1 ) انظر المحصول للرازي 1 / 3 / 548 ، التوضيح على التصريح 1 / 118 ، فواتح الرحموت 1 / 364 ، إرشاد الفحول ص 144 ، 145 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 146 . ( 2 ) انظر النسخ بين النفي والإثبات 1 / 147 .