تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
الحكم إثباتا ، ولا خلاف بين الأصوليين في حمل المطلق على المقيد ، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا تأخر المقيد ، هل يعد نسخا ؟ أما الشافعية فإنهم يحملون المطلق على المقيد مطلقا ، سواء تقدم ، أو قارن ، أو تأخر ، وغير الشافعية يراه نسخا « 1 » . ومثال اتحاد الحكم والسبب ، ودخول الإطلاق والتقييد على الحكم إثباتا ، مثل ما رواه البخاري - رحمه الله - أن أبا هريرة - رضي اللّه عنه - قال : « بينما نحن جلوس عند النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول الله ، هلكت ، قال : مالك ، قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا . قال : فمكث النبي صلى اللّه عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى اللّه عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - قال : أين السائل ؟ قال : أنا ، قال : خذ هذا فتصدق به ، فقال الرجل : على أفقر منا يا رسول اللّه ، فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه « أهلك » « 2 » . فهذا الحديث قد ورد فيه لفظ الشهرين مقيّدا بالتتابع ، ورواه أيضا مسلم بلفظ التتابع ، وإن كان قد جاء عن مسلم حديث آخر ورد فيه لفظ الشهرين مطلقا عن التتابع ، وهذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه هو عن أبي هريرة أيضا قال : « وقع رجل بامرأته في رمضان ، فاستفتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : هل تجد رقبة ؟ قال : لا ، قال : وهل تستطيع صيام شهرين ؟ قال : لا ، قال : فأطعم ستين مسكينا » « 3 » . فهذان الحديثان اتحد فيهما الحكم والسبب ، ودخل الإطلاق والتقييد على الحكم ؛ وذلك لأننا إذا نظرنا إلى الحكم فيهما لوجدناه قد قيّد الصيام في الحديث الأول بالتتابع حيث قال : « فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ » ، بينما حديث مسلم قد أطلق صيام الشهرين ، حيث قال : « وهل تستطيع صيام شهرين ؟ » ، فيجب هنا حمل المطلق على المقيد ، ويلزم من ذلك وجوب التتابع في كفارة الوقاع في رمضان ، وبهذا نجمع بين الحديثين ، والمنصوص عليه لدى
هامش
( 1 ) انظر فواتح الرحموت 1 / 362 ، الإحكام للآمدي 3 / 4 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 143 . ( 2 ) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري 4 / 126 . ( 3 ) انظر صحيح مسلم 7 / 235 .