3 - الفرق بين النسخ والتقييد :
عرفنا فيما سبق تعريف النسخ ، أما تعريف التقييد فهو : « أن يتبع المطلق بلفظ يقلّل شيوعه » ، بمعنى أنه بعد ورود المقيّد لا يعمل بالمطلق على إطلاقه كما كان ، وإنما يعمل به على النحو الذي ورد المقيّد به « 1 » ؛ لأن ورود المقيّد بيان أن المراد بالماهية بعض جزئياتها ، وهو ما دل عليه المقيد .
هذا وقد اتفق الأصوليون على أن اللفظ إذا ورد مطلقا فقط حمل على إطلاقه ، وإذا ورد مقيدا فقط حمل على تقييده ، كما حكاه الشوكاني « 2 » .
ففي الحالة الأولى :
أما إذا ورد اللفظ مطلقا تارة ، ومقيّدا تارة أخرى ، فقد يختلف حكمهما ، وقد يتفق إذا اختلف حكمهما كما في قوله تعالى :
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ
« 3 » فإننا إذا نظرنا في هذا الآية نرى أن الوعظ والضرب في الآية مطلقان ، وأن الهجر قد جاء مقيّدا بكونه في المضاجع ، فلا يحمل المطلق على المقيّد هنا ؛ لعدم المنافاة في الجمع بينهما .
وإن كان قد استثنى الآمدي وابن الحاجب صورة ، وهي ما إذا قال : ( أعتق رقبة ) ، ثم قال : ( لا تعتق كافرة ) ، أو قال : ( لا تملك كافرة ) ، فلا خلاف كما يقول الآمدي في مثل هذه الصورة في أن المقيّد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة ، وهذا واضح « 4 » .
الحالة الثانية : أن يتحد حكم المطلق والمقيّد ، وتحت هذا أربع صور :
الصورة الأولى : أن يتحد الحكم ويتحد السبب أيضا ، ويكون الإطلاق والتقييد داخلين على الحكم نفيا ، وذلك مثل أن يقول في كفارة الظهار مثلا :
( لا تعتق مكاتبا ) ، ثم يقول : ( لا تعتق مكاتبا كافرا ) ، وهنا لا يحمل المطلق على المقيد ؛ لأنه لا تعارض ؛ إذ يمكن العمل بهما بالكفّ عنهما « 5 » .
الصورة الثانية : أن يتحد الحكم والسبب ، ويدخل الإطلاق والتقييد على
هامش
( 1 ) انظر النسخ في القرآن الكريم 1 / 145 . . . وقال الشوكاني : هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها ، إرشاد الفحول ص 164 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 142 .
( 2 ) انظر إرشاد الفحول ص 164 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية 34 .
( 4 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 3 ، 4 ، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2 / 155 .
( 5 ) انظر فواتح الرحموت 1 / 361 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 143 .