تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
يمكن أن يوصف به الله عز وجل ؛ لأن المخلوقين علمهم محدود ، قال تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » . ثانيا : أن النسخ يعلم الآمر فيه أزلا ما يكون عليه هذا الأمر عند صدوره للمكلفين ، بخلاف البداء ، فلا يعلم الآمر فيه من أمره شيئا إلا عند صدوره ، وقد يأمر بالشيء ثم يتبيّن له الخطأ فيه ، فيعدل عنه لظهور عدم المصلحة في الأمر الأول . وعليه فالبداء مسبوق بالجهل ، دائما ؛ لعدم إحاطة المخلوقين بالعلم أزلا . فإذا نظرنا مثلا إلى مشرّع قد أصدر تشريعا ، فسرعان ما تأتي اللوائح المعدلة تترى ، لما ظهر في التشريع من خلل ، وهذا دأب البشر ؛ لأن عقولهم قاصرة فيعملون على قدر وسعهم ؛ إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها « 2 » . ثالثا : أن في النسخ يعلم الآمر أنه سيرفع المنسوخ عن العباد في وقت كذا إلى بدل آخر هو كذا ، أو إلى غير ما بدل عند القائلين به حسب علمه تعالى ورحمته بعباده . ففي النسخ معلومية الابتداء والانتهاء للناسخ وهو الله سبحانه وتعالى ، بخلاف البداء فإن صاحبه لا يعلم متى ينتهي العمل به ؟ وهل فيه مصلحة ؟ وهل يلغيه إلى غيره ؟ كل هذا غيب بالنسبة لصاحب البداء . ومن هنا نعلم أن الناسخ يعلم الحكم المنسوخ وأمده ، ويعلم أيضا الحكم الذي سيحل محله ، بخلاف صاحب البداء فلا يعلم شيئا من ذلك . بهذه الفروق يتضح لنا الأمر ، ونعلم البداء على حقيقته ، والنسخ كذلك « 3 » ، وعلى هذا فإن أريد بالبداء : تبيّن شيء بعد استبهام شيء ، على معنى أن الأمور لم تكن ظاهرة للمولى سبحانه وتعالى ، فيحكم بخلاف الأمر الذي فيه المصلحة ، ثم تظهر له المصلحة ، فيعدل عن حكمه السابق فهذا محض افتراء - تنزه الله جلّ جلاله عن ذلك - . أما إذا كان معنى البداء : تغير الأحوال مع سابق علم الله بكل حالة ، فلا مانع ، من هذا الإطلاق ، ولا شيء فيه ، ولكن نرى أن البعد عن مواطن الريب أسلم ، خصوصا أن القائل بالبداء الروافض ؛ لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 85 . ( 2 ) انظر النسخ بين النفي والإثبات 1 / 140 . ( 3 ) انظر النسخ بين النفي والإثبات 1 / 140 . ( 4 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 157 ، النسخ بين النفي والإثبات 1 / 139 .