تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
وإن أردتم بالبداء الإزالة على ما نقوله في النسخ : فلا يمنع معناه ، ويكون الخلاف في العبارة . فإن قالوا : فلا فائدة في أن يأمر الباري - تعالى - بالفعل ، ثم ينهى عنه قبل وقت فعله ، وهذا من جملة العبث واللغو ، والباري سبحانه منزّه عن ذلك . والجواب : أن يقال لهم من أين قلتم أنه من جملة العبث واللغو ، دللوا على هذا إن كنتم قادرين . وجواب ثان : وهو أنه لا يمتنع أن تكون الفائدة فيه تكليف المكلّف العزم على الفعل في وقت العبادة ، واعتقاد وجوبه « 1 » . فالبداء بالمعنى الأول لا يليق بالله تعالى لما قدمنا من أدلة تثبت أن الله جل جلاله عليم بكل شيء . أما إن كان المراد بالبداء : الإزالة ، بمعنى أن الحكم كان موجودا ، ثم أزاله الله تعالى فهو واقع في قدرته سبحانه وتعالى ، فلا يمتنع هذا ؛ إذ يكون البداء هنا مرادفا للإزالة التي يطلق النسخ لغة عليها ، وبهذا يكون الخلاف لفظيّا ، ولا يكون البداء هنا مستحيلا على هذا المعنى المقرر . وحيث قد بينا معنى البداء ، وأصبح واضحا ، يمكننا أن نذكر الفرق بين البداء وبين النسخ ليكون القارئ على بينة من أمره فنقول : إذا كان البداء بمعنى الإزالة على ما نقوله في النسخ ، أو كان بمعنى افتتاح أمر لم يكن ، فهذا لا شيء فيه ؛ إذ هما بمعنى النسخ الذي نحن بصدده . أما إذا كان البداء - كما قدمنا - إما الظهور بعد الخفاء ، أو نشأة رأي جديد ، أو استدراك علم ما كان خفيّا مستترا مما بدا له العلم به بعد خفائه عليه ، أو كان معناه تبيّن شيء بعد استبهام شيء . هذه المعاني متقاربة تؤدي كلها إلى معنى واحد هو سبق الجهل بالأمور ، ووضوح المصلحة بعد أن كانت خفية ، فهذا المعنى مباين للنسخ من وجوه « 2 » ، نجملها فيما يلي : أولا : أن النسخ لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى ، فهو وحدسه الذي يملك رفع الأحكام عن العباد أو تقريرها ، أما البداء فلا يكون إلا من المخلوقين ، ولا
هامش
( 1 ) انظر : كتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1 / 417 . ( 2 ) انظر النسخ بين النفي والإثبات 1 / 139 .