قال الزركشي : واعلم أن هذه الفروق أكثرها أحكام ، أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر ، ا . ه .
2 - الفرق بين النسخ والبداء :
لكي نفرق بين النسخ والبداء ، لا بد وأن نعرّف البداء أولا ، ونثبت حقيقته ، ثم نقارن بينه وبين النسخ ، فيتضح لنا بعد تصور كل منهما الحق الذي لا مرية فيه .
قال العلماء : البداء ، يطلق في لغة العرب على معنيين :
أحدهما : الظهور بعد الخفاء ، كما يقول المسافرون : بدت لنا مآذن المدينة ، يعنون أنها ظهرت لهم ، فرأوها بعد أن كانوا لا يرونها ، ومن الآيات التي استعمل فيها القرآن الكريم البداء بهذا المعنى قول الله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 ) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
« 1 » .
وثانيهما : نشأة رأي جديد لم يكن موجودا ، جاء في القاموس : « وبدا له من الأمر بدوا ، وبداء ، وبداة ، أي : نشأ له فيه رأي » ا . ه ، ومنه قوله تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
« 2 » .
وجاء في المعجم الوسيط : بدا بدوا وبداء : ظهر ، وبدا له في الأمر كذا : جدّ له فيه رأي . « 3 »
وظاهر أن البداء بالمعنيين يستلزم سبق الجهل ، وحدوث العلم ، وكلاهما محال على الله تعالى ، يشهد لذلك العقل والنقل .
أما العقل : فإنه يقرر نتيجة للنظر الصحيح في هذا العالم : أن الله عز وجل متّصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المحيط بكل شيء ، كما هدانا النظر الصحيح في هذا العالم على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون حادثا ، ولا محلّا للحوادث ؛ وإلا لكان ناقصا ، وعليه فلا يكون إلها ؛ إذ الجاهل عاجز عن أن يخلق هذا العالم بهذا النظام المعجز ، ومثله في عجزه الحادث ، وقد ثبت أن الله تعالى هو الخالق المبدع لهذا الكون كله بما فيه من عجائب : شمس ، وقمر ، ونجوم ، وكواكب ، وليل ، ونهار
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
« 4 » فيستحيل إذا عليه
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآيتان 47 ، 48 .
( 2 ) سورة يوسف ، من الآية 35 .
( 3 ) انظر القاموس المحيط 1 / 8 ، المعجم الوسيط 1 / 46 ، أساس البلاغة للزمخشري ص 31 .
( 4 ) سورة يس ، الآية 40 .