وأيضا ، فإن ذلك لا يصح حتى على أصل الخصوم ؛ لأنهم لا يرون التكليف بما لا يطاق ، وهذا تكليف بما لا يطاق « 1 » .
الدليل الثاني :
التمسّك بقصة الإسراء ، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى فرض على نبيه صلى اللّه عليه وسلم خمسين صلاة ليلة الإسراء والمعراج ، فأشار عليه سيدنا موسى بالرجوع ، وقال له : أمتك ضعفاء ، لا يطيقون ذلك ، فاستنقص الله ينقصك « 2 » ، وأنه قبل ما أشار به عليه ، وسأل الله ذلك فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات ، وذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته « 3 » .
وإنكار المعتزلة نسخ الخمسين بعد وجوبها مردود بصحة النقل في الصحيحين وغيرهما ، مع عدم إحالة العقل له فإنكاره بدعة وضلالة .
وإن اعترض بأن ذلك يوجب النسخ قبل التمكن من العلم والاعتقاد ، وهو باطل لأنه يجعل الخطاب الأول خاليا من الفائدة التي يصح أن تقصد منه ، وهي العزم على الامتثال أو الامتثال بالفعل ، وذلك عبث ، والعبث من الشارع محال .
يجاب عن ذلك : بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم فرد من أفراد الأمة ، وقد علم بالخطاب الأول قبل أن ينسخ فتمكن من العلم والاعتقاد ، وهو الأصل ، والأمة تبع له . فالنسخ بعد ذلك ليس نسخا قبل العلم ، بل هو نسخ بعده « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 180 - 184 ، المستصفى للغزالي 1 / 115 ، 116 ، فواتح الرحموت 4 / 64 - 67 ، كشف الأسرار على أصول البزدوي 3 / 887 ، نهاية السول 2 / 173 ، الإبهاج في شرح المنهاج 2 / 258 - 260 ، مناهج العقول 2 / 171 ، التقرير والتحبير 3 / 50 ، 53 .
( 2 ) هذا معنى جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى اللّه عليه وسلم أخبر عن ليلة أسري به ، ثم ذكر من ضمن ما ذكر : فرجعت فمررت على موسى فقال : بم أمرت ، فقلت : بخمسين صلاة كل يوم ، قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني والله قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، قال : سألت ربى حتى استحيت ، ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد : أمضيت فريضتي ، وخففت عن عبادي .
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير 11 / 292 ، فتح الباري شرح صحيح البخاري 1 / 315 ، صحيح مسلم شرح النووي 2 / 209 .
( 3 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 187 .
( 4 ) انظر فواتح الرحموت 2 / 63 ، تيسير التحرير 3 / 187 .