المذهب الثاني : وهم جمهور المعتزلة ، والصيرفي ، والكرخي ، والجصاص ، والماتريدي ، والدبوسي ، وابن برهان ، وبعض الحنابلة ، وهؤلاء يرون أنه لا يجوز نسخ الحكم قبل التمكن من الفعل « 1 » .
الأدلة :
استدل القائلون بالجواز بعدة أدلة :
الدليل الأول :
أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم عليه السلام بذبح ولده « 2 » مناما ، ثم نسخ ذلك بذبح الفداء ، قبل التمكن من الذبح ، أي : قبل وقوع الفعل .
أما إنه كان مأمورا بالذبح فقد استدلوا عليه بثلاث آيات :
الآية الأولى : قوله تعالى حكاية عن ولده :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
« 3 » بعد أن قال له :
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
.
فدل ذلك على أن هذه الرؤيا أمر من الله تعالى له بالذبح ، فأقدم إبراهيم عليه السلام على الذبح ، واستجاب إسماعيل عليه السلام ، ولو لم يكن مأمورا لما أقدم عليه ، ولما خوّف ولده وروّعه .
الآية الثانية : قوله تعالى في شأن الذبح :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
« 4 » فلو لم يكن الذبح مأمورا به بل كان المأمور به مقدماته ، من أخذ الولد إلى الصحراء ، واستصحاب المدية والحبل ، لما كان هناك بلاء مبين ، فإن المقدمات سهل على النفس فعلها ما دامت النتيجة مأمونة .
الآية الثالثة : قوله تعالى :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
« 5 » فإن الفداء هو البدل ،
هامش
( 1 ) انظر البرهان لإمام الحرمين 2 / 1303 ، الإحكام للآمدي 3 / 180 ، المحصول 1 / 3 / 467 ، المستصفى 1 / 112 ، فواتح الرحموت 2 / 61 ، اللمع ص 31 ، العضد على ابن الحاجب 2 / 190 ، كشف الأسرار 3 / 169 ، الآيات البينات 3 / 137 ، شرح تنقيح الفصول ص 307 ، روضة الناظر ص 39 ، نهاية السول 2 / 173 ، مناهج العقول 2 / 171 ، تيسير التحرير 3 / 187 ، إرشاد الفحول ص 186 .
( 2 ) اختلف في الذبيح أهو إسحاق أم إسماعيل على قولين ، انظر : فواتح الرحموت 2 / 64 ، تفسير القرطبي 8 / 5543 ط الريان .
( 3 ) سورة الصافات ، من الآية 102 .
( 4 ) سورة الصافات ، الآية 106 .
( 5 ) سورة الصافات ، الآية 107 .