والذي يصلح أن يكون الفداء بدلا عنه هو الذبح ، فلو كان غير مأمور بالذبح لما احتيج إلى الفداء « 1 » .
وأما أنه نسخ قبل أن يتمكن من الذبح ، فلأنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل لكان ذلك تقصيرا من إبراهيم عليه السلام في تنفيذ ما طلب منه ، والتقصير ليس من شأن الأنبياء ، فإن المعروف عنهم المبادرة إلى الفعل ، ولو كان شاقّا ، بل ولو كان وجوبه موسّعا عليهم « 2 » .
ومما يدل أيضا على أنه نسخ قبل التمكن : أنه لم يذبح ، ولو لم ينسخ لذبح امتثالا لأمر الله تعالى ، لأنه نبي فهو معصوم من المعاصي « 3 » .
وبهذا يتبين ضعف اعتراض الآمدي بأنه نسخ بعد التمكن ، لا قبله « 4 » .
وقد اعترض المانعون على هذا الدليل باعتراضات وهي :
الأول : أن ذلك إنما وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام مناما ، والمنام لا تثبت به الأوامر النواهي .
وأجيب عن ذلك : أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي معمول به ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » « 5 » ، فكانت نسبة الأشهر الستة إلى مدة نبوته عليه الصلاة والسلام ، وهي ثلاث وعشرون سنة ، كيف وإنه لو كان خيالا لا وحيا لما جاز لإبراهيم عليه السلام العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له ، ولما سماه الله تعالى بلاء مبينا ، ولما احتاج إلى الفداء .
هامش
( 1 ) يقول ابن قدامة في روضة الناظر : وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله من ستة أوجه : أحدها : أنه كان مناما لا أصل له ، والثاني : أنه لم يؤمر بالذبح ، وإنما كلف العزم على الفعل ، لامتحان سره في صبره عليه ، والثالث : أنه لم ينسخ ، ولكن قلب الله عنقه نحاسا فانقطع التكليف عنه لتعذره ، والرابع : أن المأمور به الاضطجاع ومقدمات الذبح ، بدليل :قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، والخامس : أنه ذبح امتثالا فالتأم الجرح واندمل بدليل الآية ، والسادس :
أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل ، فإن لفظه لفظ الاستقبال ، لا لفظ الماضي ، وقد أجاب ابن قدامة عن هذا إجمالا ثم تفصيلا ، وخلاصته أنه لو صح شيء من ذلك لم يحتج إلى فداء ، ولم يكن بلاء مبينا في حقه . انظر روضة الناظر ص 39 ، 40 ، المستصفى 1 / 115 .
( 2 ) انظر حاشية العطار على شرح جمع الجوامع 2 / 111 .
( 3 ) انظر المستصفى 1 / 115 ، المحصول 1 / 3 / 468 ، الإحكام للآمدي 3 / 180 ، الوصول إلى الأصول 2 / 39 ، التبصرة ص 260 ، تيسير التحرير 3 / 188 ، 139 ، الإبهاج 2 / 258 ، نهاية السول 2 / 174 ، مناهج العقول 2 / 172 .
( 4 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 184 .
( 5 ) الحديث أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري ، ومسلم عن ابن عمر ، وأخرجه غيرهما ، انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي 4 / 48 .