تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الأول : أنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت ، ثم يرد النهى عنه في ذلك الوقت ، لكان الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد ، مأمورا به ، منهيّا عنه ، وهو محال ، لما فيه من طلب الجمع بين الضدين ، والجمع بين الضدين محال . وأجيب عن ذلك : بأنه إنما يكون محالا ، إذا كان المقصود من الأمر حصول الفعل أما إذا كان المقصود هو الابتلاء والاختبار ، أي : ابتلاء المأمور ، واختباره وامتحانه ، دون حصول الفعل فإنه يجوز ، فإن السيد يقول لعبده : اذهب غدا إلى موضع كذا راجلا ، وهو لا يريد الفعل ، بل يريد امتحانه ، مع علمه بأن غدا سيرفع عنه ذلك « 1 » . ثم عزيمة القلب قد تعتبر قربة بلا فعل ، ولا يكون العمل وحده هو المقصود وأعظم الطاعات ، وهو الإيمان من أعمال القلب الذي هو رئيس الأعضاء « 2 » . الثاني : أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته ، فالأمر والنهى قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد ، وهو محال وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا ، وعند ذلك فلا يخلو لله تعالى عند الأمر بالفعل ، إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح ، وكذلك في حالة النهى أو لا يكون عالما به أصلا . فإن كان الأول : فإن كان الفعل حسنا فقد نهى عن الحسن مع علمه به ، وإن كان قبيحا فقد أمر بالقبيح مع علمه وهو قبيح . وإن كان الثاني فيلزمه منه الجهل في حق الله تعالى - كيف وإن ظهر له في حالة النهى ، ما لم يكن قد ظهر في حالة الأمر ، فهو عين البداء ، والبداء على الله محال . وأجيب عن ذلك : أما عن قولهم إما أن يكون الفعل حسنا أو قبيحا فهو مبني على الحسن والقبح العقليين ، وهذا أمر غير مسلّم عندنا ؛ لأنه مبنى على قاعدة التحسين والتقبيح . فإن قالوا : وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا ، فلا يخلو من أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة ، فإن كان الأول فقد نهى عما فيه مصلحة ، وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه مفسدة ، قلنا : وهذا أيضا مبنى على رعاية الحكمة في أفعال الله
هامش
( 1 ) انظر نهاية السول للإسنوي 2 / 174 . ( 2 ) انظر تيسير التحرير 3 / 188 .