الدليل الثالث دليل عقلي وهو :
النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلف ، فكان نسخا ، ولا يترتب على ذلك بداء ، ولا محال ؛ لأن المصلحة التي جاز لأجلها النسخ بعد التمكن من الفعل ، وبعد دخول الوقت يصح اعتبارها قبل التمكن من الفعل وقبل دخول الوقت ، للقطع بأن تبديل حكم بحكم ورفع شرع بشرع كان فيهما « 1 » .
يوضح ذلك ما قاله الآمدي :
أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد ، ويمنعه منه مانع عائق له عنه قبل الغد ، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع ، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء المانع مع تعقيبه بالمنع ، جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ ؛ إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين ، وهو إلزام ملزم .
ثم قال : فإن قيل لا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ، ويمنعه منه قبل الغد ، لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ، ويريد منه الفعل ، أو بشرط زوال المانع .
فإن كان الأول فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق ، وهو محال ، وإن كان الثاني ، فالأمر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور .
وقد رد الآمدي على هذه الاعتراضات فقال ما ملخصه : إن الأمر بشرط انتفاء المانع ، والتكليف بما لا يطاق ، والأمر بشرط زوال المنع من العالم بعواقب الأمور ، كل هذه قضايا وإن كانت لا تجوز عندكم ، فهي جائزة عندنا ، ولا مانع عقلي من وقوعها « 2 » .
دليل المانعين :
استدل القائلون بعدم جواز نسخ الفعل قبل التمكن وهم جمهور المعتزلة ومن معهم :
بأن النسخ قبل التمكن يترتب على فرض وقوعه محال ، وكل ما يترتب على فرض وقوعه محال ، فهو محال ، وقد ذكروا وجوها كثيرة للإحالة العقلية ، نذكر منها وجهين « 3 » :
هامش
( 1 ) انظر إرشاد الفحول للشوكاني ص 187 .
( 2 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 187 ، وما بعدها .
( 3 ) انظر المستصفى 1 / 113 ، المحصول 1 / 3 / 478 ، التبصرة للشيرازي ص 262 ، الوصول إلى الأصول 2 / 36 ، 37 ، روضة الناظر ص 39 ، فواتح الرحموت 2 / 67 ، تيسير التحرير 3 / 192 .