تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ثالثا : إن الله تعالى أوجب في ابتداء الإسلام الحبس في البيوت للنساء ، والإيذاء بالقول للرجال ، حدّا على جريمة الزنا ، وذلك في قوله تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( 15 ) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 )
« 1 » ، ثم نسخ ذلك بالضرب بالسياط مائة ، والتغريب سنة عن الوطن في حق البكر ، وبالرجم بالحجارة في حق الثيب . على أننا لنا في هذه الآيات وأمثالها رأي آخر قد تقدم ، وهو أن الآيات التي ادعوا أنها منسوخة خاصة بحالة ، والآيات التي ادعوا أنها ناسخة خاصة بحالة أخرى ، وليس أي منها ناسخا ولا منسوخا . لكن يستدل على ذلك بنسخ إباحة زواج المتعة بتحريمه . أدلة المانعين : استدلّ أصحاب المذهب الثاني القائلون بأن النسخ إلى بدل أثقل لا يجوز عقلا ، وبالتالي لم يقع ، استدلوا بالعقل : وهو ما قدمناه عند ذكرنا لأدلة الجمهور حيث بينا أن المخالف عارض أدلتهم العقلية ، فلا داعي إلى ذكره مرة ثانية . واستدلوا على عدم الوقوع سمعا بنصوص من القرآن الكريم : أولا : قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 2 » . وجه الدلالة : أن الله تعالى أخبر بأنه لا بد في النسخ من الإتيان بحكم هو خير من المنسوخ أو مثله ؛ فلا بد أن يكون الحكم الناسخ أخف من المنسوخ ، أو مساويا له ، ولا يجوز أن يكون أثقل منه ، وإلا لتخلّف خبره تعالى ، وتخلّف خبره تعالى محال فيستحيل ما أدى إليه ، وهو جواز مثل هذا الحكم « 3 » . ونوقش هذا : بأنا لا نسلم أن الأثقل لا خير فيه ؛ لأن النسخ إذا كان ببدل أخف
هامش
( 1 ) سورة النساء ، آية 15 ، 16 . ( 2 ) سورة البقرة ، من الآية 106 . ( 3 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 199 ، الإحكام لابن حزم 4 / 93 ، 94 .
النسخ عند الأصوليين — صفحة 115 | علي جمعة