وإن كان لمصلحة ، فإما أن تكون : أدنى من مصلحة المنسوخ ، أو مساوية لها ، أو راجحة عليها .
فإن كان الأول : فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين ، واعتبار أدناهما .
وإن كان الثاني : فليس الناسخ أولى من المنسوخ .
فلم يبق غير الثالث : وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع ، والأقرب إلى حصول الطاعة ، وذلك إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف ، ومن الأصعب إلى الأسهل ، لكونه أقرب إلى حصول الطاعة ، وأسهل في الانقياد ، وإذا كان بالعكس ، كان إضرارا بالمكلفين ؛ لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة ، وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة ، وذلك غير لائق بحكمة الشرع « 1 » .
وقد أجاب الآمدي عن ذلك ، فقال :
إن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف ، ونقل الخلق من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف ، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى السقم ، ومن الشبيبة إلى الهرم ، ومن الجدّة إلى العدم ، وإعدام القوى والحواسّ بعد وجودها ؛ فإن ما نقلهم إليه أشق مما نقلهم عنه ، وكل ما ذكروه فهو بعينه لازم هاهنا ، وما هو الجواب في صورة الإلزام فهو جوابنا في محل النزاع « 2 » .
واستدل الجمهور على الوقوع بما يلي :
أولا : إن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام مخيّرا بينه وبين الفداء بالمال ، للصحيح المقيم ، الثابت في قوله تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
« 3 » ، ثم نسخ التخيير ، وأوجب على الصحيح المقيم الصوم فقط ، الذي دل عليه قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 4 » ، ووجوب الصوم أثقل من التخيير .
ثانيا : قد فرض الله مسالمة الكفار بقوله تعالى :
وَدَعْ أَذاهُمْ
« 5 » ، ثم نسخ ذلك بوجوب قتالهم بقوله تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
« 6 » .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 198 .
( 2 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 199 .
( 3 ) سورة البقرة ، من الآية 184 .
( 4 ) سورة البقرة ، من الآية 185 .
( 5 ) سورة الأحزاب ، من الآية 48 .
( 6 ) سورة الحج ، من الآية 39 .