وفي وصفهما بالشذوذ دليل على ضعف ما ذهبا إليه .
الأدلة :
استدل الجمهور القائل بجواز نسخ الحكم بحكم أثقل بأدلة عقلية ، وأخرى سمعية .
الأدلة العقلية :
أولا : أن نسخ الشيء إلى أثقل لا يترتب على فرض وقوعه محال لذاته ، ولا لغيره ، وكل ما كان كذلك كان جائزا عقلا ، فنسخ الحكم إلى أثقل جائز عقلا .
ثانيا : إذا راعينا المصلحة سواء عند القائلين بوجوبها ، وهم المعتزلة ، أو بجوازها وهم أهل السنة ، فقد تكون المصلحة للعباد في الحكم الأثقل تكثيرا للثواب لهم في الآخرة ، وإن قلنا بعدم المصالح في التكاليف ، فيجوز أيضا أن يكون النسخ إلى أثقل ، كما جاز بالمساوي والأخف ، فإن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل « 1 » .
لذا قال صاحب التقرير والتحبير :
لنا : إن اعتبرت المصالح وجوبا أو تفضلا في التكليف ، فلعلها - أي المصلحة - للمكلف فيه - أي في النسخ - بأثقل كما ينقله من الصحة إلى السقم ، ومن الشباب إلى الهرم ، وإلا - أي إن لم يعتبر - فأظهر - أي فالجواز أظهر - لأن له تعالى أن يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد .
ويلزم من عدم جواز الأثقل لكونه أثقل نفي ابتداء التكليف ، فإنه نقل من سعة الإباحة إلى مشقة التكليف ؛ لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة .
وإن تركوا الواجب استضروا بالعقوبة عليه ، لكن لا قائل بعدم جواز ابتداء التكليف .
قال القاضي : ولا جواب لهم عن ذلك ، وتعقبه الكرماني : بأن لقائل أن يقول : ما خرج بالإجماع عند القاعدة لا يرد نقضا « 2 » .
وقد عرض الخصم دليل العقل ، فقالوا : إن النسخ إما أن يكون : لا لمصلحة ، أو لمصلحة .
فإن كان الأول : فهو عبث وقبيح ، فلا يكون جائزا على الشارع .
هامش
( 1 ) انظر التقرير والتحبير 3 / 59 ، النسخ بين النفي والإثبات 2 / 24 .
( 2 ) انظر التقرير والتحبير 3 / 59 ، تيسير التحرير 3 / 199 ، 200 .