تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أكل كتف شاة ولم يتوضأ » « 1 » . وهذا أخف من المنسوخ ، فالنسخ إلى بدل أضعف أو مساو لا خلاف فيه بين من يقول بالنسخ « 2 » . الوجه الثالث : نسخ الحكم إلى حكم أثقل ، ففيه خلاف العلماء : المذهب الأول : للجمهور وهم أكثر أصحاب الشافعي ، وجمهور المتكلمين ، والفقهاء ، ومنهم أبو الحسين البصري ، وابن حزم الظاهري ، والشوكاني « 3 » : وهؤلاء يرون أن نسخ الحكم إلى بدل أثقل من المنسوخ جائز عقلا ، وواقع سمعا . المذهب الثاني : وهو لبعض أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر ، وهؤلاء يرون أنه لا يجوز عقلا ، ولم يقع شرعا « 4 » . وقد نسبه البزدوي إلى محمد بن داود ، والظاهر أنها نسبة غير صحيحة ، إذ إن ابن حزم لم يذكره مع المخالفين « 5 » . المذهب الثالث : ويروى عن بعض المعتزلة : أن النسخ إلى أثقل جائز عقلا ، ولكنه غير واقع سمعا . وقد عقب صاحب التقرير والتحبير على المذهب الثاني والثالث بقوله : نفاه - أي جوازه بأثقل - شذوذ : بعضهم عقلا ، وبعضهم سمعا ، وبه قال أبو بكر بن داود « 6 » .
هامش
- أكثر من عشرين رجلا من السلف كانت لهم صحبة ، يؤتون بالخبز واللحم ، فيأكلون منه ، ثم نقوم من فورنا إلى الصلاة ما منهم رجل يتوضأ . ( 1 ) حديث ابن عباس : أخرجه البخاري ( ح 204 ) ، ومسلم ( ح 354 ) ، وأبو داود ( ح 187 ) ، وفي كثير من الروايات تصريح بأن ابن عباس رآه بنفسه ، وفي بعضها : « قلنا : أنت رأيته ، فأشار إلى عينه ، فقال : بصر عيني » ، انظر : مسند أحمد ( 1 / 258 ، 272 ، 366 ) ، والطبراني في الكبير ( 10 / 298 ، 324 ) . وهذا ينفي احتمال أن يكون مما رواه ابن عباس عن غيره من الصحابة . ووجه دلالته على النسخ أشار إليه الحازمي في الاعتبار ( ص 81 - 82 ) ، قال : وإنما قلنا لا يتوضأ منه ؛ لأنه عندنا منسوخ ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس إنما صحبه بعد الفتح ، يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ، ثم صلى ، ولم يتوضأ ، وهذا عندنا من أثبت الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ ، أو أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف ، والثابت عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يتوضأ منه . . وذكر الشافعي أيضا في رواية حرملة فقال : حديث ابن عباس أدل الأحاديث على أن الوضوء مما مست النار منسوخ ، وذلك أن صحبة ابن عباس لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم متأخرة ، إنما مات رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ابن أربع عشرة سنة وقد قيل : ست عشرة سنة ، وقيل : ثلاث عشرة سنة » انتهى المراد من كلام الحازمي . وإنما نبهنا على ذلك لأن مجرد لفظه لا يدل على النسخ ، وغاية ما يفيده اللفظ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يتوضأ من لحم الغنم ، وهو أحد وجهي التخيير في قوله : « إن شئت توضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ » ، وإنما النسخ فيه راجع لتأخر صحبة راويه . ( 2 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 196 ، فصول البدائع للفناري 2 / 140 ، روضة الناظر ص 43 ، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 260 ، التبصرة للشيرازي ص 258 ، إرشاد الفحول ص 188 ، التلويح على التوضيح 2 / 36 ، ميزان الأصول ص 715 ، 716 . ( 3 ) انظر الإحكام لابن حزم 4 / 93 ، 94 ، الإحكام للآمدى 3 / 197 ، المعتمد 1 / 385 ، المحصول 1 / 3 / 480 ، التقرير والتحبير 3 / 59 ، إرشاد الفحول ص 188 . ( 4 ) انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي 3 / 907 ، الإحكام للآمدي 3 / 197 ، التقرير والتحبير 3 / 59 . ( 5 ) انظر الإحكام لابن حزم 4 / 93 ، 94 . ( 6 ) انظر التقرير والتحبير 3 / 59 ، النسخ بين النفي والإثبات 2 / 24 .