صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين ينزل عليه الوحي فلما كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالجعرانة « 1 » وعليه ثوب قد أظلّ عليه ومعه ناس من أصحابه إذ جاءه رجل متضمّخ « 2 » بطيب فقال يا رسول اللّه كيف ترى في رجل أحرم في جبّة بعد ما تضمّخ بطيب ؟ فنظر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى ان تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمّر الوجه يغطّ « 3 » كذلك ساعة ثم سرّى « 4 » عنه .
فقال : أين الذي يسألني عن العمرة آنفا فالتمس الرجل فجيء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال أمّا الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرّات وأما الجبّة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك « 5 » .
عن الحارث بن هشام أنه سأل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول ، قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا « 6 » . أقول : قد تقدم ان هذه الرواية فيها مناقشة وربّما سنتعرّض إليها في مكان آخر إن شاء اللّه .
« نزول الوحي »
عرفنا فيما سبق أن النبي كان يرى الرؤيا الصادقة وهو في سن السابعة والثلاثين من عمره الشريف ثم لمّا بلغ الأربعين نزل عليه الوحي وبعث بالرسالة المباركة فعلى هذا أن مرحلة النبوّة كانت أسبق من مرحلة الرسالة كما أن فترة الإعداد الروحي للنبي كانت ملازمة له منذ أن فطم من الرضاع وقد هيّئت له أسباب الإمداد الغيبي والعناية الإلهية وكان في تلك المدّة يرى الكرامات الباهرات والمعجزات الظاهرات حتى أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يمرّ على الشجر
هامش
( 1 ) الجعرانة : أحد المنازل .
( 2 ) التضمخ والتلطّخ بمعنى واحد .
( 3 ) يغط : غطيط النائم شخيره .
( 4 ) سرّى : كشف وأزيل عنه .
( 5 ) صحيح البخاري 6 / 98 .
( 6 ) صحيح البخاري 1 / 3 ومجمع البيان 10 / 378 .