حالة أخرى استدعت تشريع حكم جديد ، لكنّها مع ذلك قابلة للعود على حالتها الأولى ، إمّا في رقعة أخرى من الأرض أو في فترة آتية من الزمان ، فإنّ من الحكمة أن يعود الحكم المنسوخ إلى الوجود .
فكل من الناسخ والمنسوخ هو رهن حالة تخصّه ، وقيد مصلحة تلتئم معه . فما دامت فالحكم يدوم معها ، وما زالت فالحكم يزول معها ، وإذا ما رجعت فإنّ الحكم يرجع معها . . وهكذا مثاله الصدقات الواجبة في سبيل اللّه كان على المسلمين أن يقوموا بتجهيز بنية الدولة الماليّة مهما كلّف الأمر ، وهو الوارد في القرآن كثيرا باسم الإنفاق في سبيل اللّه كان ذلك واجبا حتما ما دامت الحاجة باقية . . . ثم لما فرضت الزكاة وأخماس الغنائم والخراج ونحو ذلك ، وزالت حاجة الدولة إلى مئونة غيرها ، زال ذلك التكليف . . . لكن إذا ما دهمت الأمّة حادثة أو كارثة تحتاج إلى مئونة زائدة ، أو عرض ما يستدعي صرف مال أكثر ، فإنّ المصلحة تقتضي فرض ماليات متناسبة مع حاجة الدولة ، أو يكون على عهدة المسلمين القيام بوظيفتها « 1 » . . .
لقد تطرّف المصنف في اعتبار النسخ إذ جعله كالقانون مرنا ، فالنسخ عنده يبرز في ظرف دون آخر ، فهو يتبع ظروف المجتمع الإسلامي والمناسبات المحيطة به . في الوقت الذي يعرّف المصنّف نسخ ( الحكم دون التلاوة ) بأن تبقى الآية ثابتة في الكتاب يقرؤها المسلمون عبر العصور سوى أنها من ناحية مفادها التشريعي منسوخة لا يجوز العمل بها بعد مجيء الناسخ القاطع لحكمها « 2 » .
فالتناقض في كلام المصنف واضح جدا كالشمس في رابعة النهار ، وإلا كيف يعمل بالناسخ مرة ثم يعود العمل بالمنسوخ ثانية إذا تبدّلت الظروف ؟ ! فهل من المنطق أن يعود العمل على ما كان عليه في حالته السابقة ؟ وهل من الحكمة - كما ادعى صاحب التمهيد - أن يعود الحكم المنسوخ إلى الوجود . . . ؟ !
إن ذلك ضرب من التناقض والخبط ، ودليل على عدم استيعاب مضمون
هامش
( 1 ) التمهيد 2 / 296 .
( 2 ) المصدر السابق 2 / 294 .