ثم عقّب السيوطي فقال : وممّا يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتّبت ولاء وكذا الطواسين ، ولم ترتّب المسبّحات ولاء ، بل فصل بين سورها ، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس مع أنها اقصر منهما ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبّحات ولاء وأخرت طس عن القصص « 1 » .
أقول : وممّا استدلّ أصحاب الرأي الأول أنهم رووا عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قرأ من السور تباعا كما مؤلّف في هذا المصحف ، فعن حذيفة أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قرأ البقرة وآل عمران والنساء . والأعراف كما في صحيح البخاري ، صفة الصلاة ، باب القراءة في المغرب و ( الجمعة ) و ( المنافقون ) كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة .
والتحقيق أن الروايات التي قدّمها أصحاب الرأي الأول لا تقوى ، وضعفها بيّن ، فهي لا تفيد علما ولا عملا . والذي نرجّحه هو الرأي الثاني وذلك أن ترتيب السور لم يكن توقيفيا ، بل أنه اجتهاد من الصحابة ، والأدلّة في ذلك كثيرة ولو التفتنا إلى المصاحف الأولى ؛ كمصحف الإمام علي ، وأبي ، وابن مسعود ، ومجاهد ، وغيرها لوجدنا أن السور تختلف في ترتيبها عن مصحف عثمان كل الاختلاف ، فإن مصحف الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام أوّله سورة ( البقرة ) ثم ( يوسف ) ثم ( العنكبوت ) ثم ( الروم ) ثم ( لقمان ) ثم ( حم السجدة ) ثم ( الذاريات ) ثم ( هل أتى على الإنسان ) . . . وهكذا وقد ذكر ابن النديم أن مصحف الإمام علي في سبعة أجزاء .
وأمّا ترتيب مصحف أبي بن كعب فهو أقرب إلى ترتيب مصحف عثمان ، أوّله ( الفاتحة ) ثم ( البقرة ) ثم ( النساء ) ثم ( آل عمران ) ثم ( الأنعام ) . . .
وهكذا آخره الناس .
وأمّا ترتيب مصحف مجاهد فروى محمد بن نعمان بن بشير قال أوّل ما نزل من القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ثم ( ن والقلم ) ثم ( يا أيها المزمّل ) ثم ( المدثر ) .
هامش
( 1 ) الإتقان 1 / 198 .