الرأي الثاني : ما اتّفق عليه علماء الجمهور كالقاضي أبي بكر بن الطيب أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فوّض ترتيب السور إلى أمته من بعده .
الرأي الثالث : كما ذهب إليه القاضي أبو محمد بن عطية : أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل وأشاروا إلى أن ما سوى ذلك يمكن أن يكون فوّض الأمر فيه إلى الأمة بعده « 1 » .
قال الكرماني في البرهان : ترتيب السور هكذا هو عند اللّه وفي اللوح المحفوظ ، وهو على هذا الترتيب كان يعرض عليه السّلام على جبرائيل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التي توفى فيها مرّتين .
وقال أبو بكر بن الأنباري : أنزل اللّه القرآن كلّه إلى سماء الدنيا ، ثم فرّقه في بضع وعشرين ، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث ، والآية تنزل جوابا لمستخبر ، ويوقف جبرائيل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على موضع السورة والآية . فاتّساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم الآيات « 2 » .
هذه أهم الأقوال المأثورة عن علماء الجمهور في ترتيب القرآن الكريم ، على أن الأمر ليس فيه كبير فائدة كالذي يأتي فيه ترتيب الآيات .
أقول : أهم الآراء : الأول والثاني ؛ وقد أكّد الرأي الأول جملة من العلماء على سبيل المثال صبحي الصالح من المعاصرين ، قال : وأمّا ترتيب السور فتوقيفي أيضا ، وقد علم في حياته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو يشمل السور القرآنية جميعا ، ولسنا نملك دليلا على العكس ، فلا مسوّغ للرأي القائل أي ترتيب السور اجتهادي من الصحابة ، ولا للرأي الآخر الذي يفصّل : فمن السور ما كان ترتيبه اجتهاديّا ، ومنه ما كان توقيفيا « 3 » .
هامش
( 1 ) البرهان - الزركشي 1 / 247 .
( 2 ) البرهان الزركشي 1 / 260 .
( 3 ) مباحث في علوم القرآن ص 71 .