وعندما بلغ أبو شامة الستين من عمره تولى التدريس في المدرسة الركنية سنة 660 ه ، وبقي فيها حتى عيّن مدرسا للمدرسة الأشرفية سنة 662 ه ، ثم أضيفت إليه وظيفة الإقراء بالتربة الأشرفية . واستمر يشغل هاتين الوظيفتين حتى توفي سنة 665 ه .
من هذه الإشارات جميعها يمكن القطع بأن أبا شامة شغل منصب الأستاذية للمرة الأولى سنة 660 ه ، وهذه الوظيفة كانت تتيح لمتقلدها الإشراف على إدارة المدرسة إشرافا كاملا يشمل الأوقاف المخصصة لها ، والمتتبع لحياة العلماء في هذه الفترة التي شهدت نهضة علمية ميسرة يجد أن كثيرا منهم اعتمد اعتمادا كبيرا على هذه الأوقاف والمدارس في تنظيم حياته ، مستفيدا من مواردها في فترة طلب العلم ، ثم متقلدا وظيفة الأستاذية في هذه المدارس ، أو قائما بالإشراف على الأوقاف المخصصة لها بعد اجتياز مرحلة الطلب . بل أننا نجد كثيرا من هؤلاء العلماء يجمعون بين التدريس والإشراف على عدد كبير من الأوقاف يديرونها ويدبّرون شؤونها ، ووسيلة بعضهم إلى هذا التقرب من الأمراء الواقفين ، أو من السلاطين الحاكمين .
كما يمكن القطع أن أبا شامة كان يشغل وظيفة صغيرة في شبابه ، سنة 635 ه ، عندما اختير واحدا من عدول دمشق ، ثم أمّ الصلاة في المدرسة العادلية التي كان يقيم بها في دمشق مدة لا نستطيع تحديدها ، كما لا نعرف تاريخ بدئها أو نهايتها ، ويستثنى من هذه المدة الفترة التي انقطع فيها عن الإمامة ، عندما خرج إلى بساتينه الخاصة يعمل فيها ويعتمد عليها في حياته .
هذا الغموض الذي يحيط بالجانب المادي من حياة أبي شامة لا يعني ، في حال من الأحوال ، أنه كان شخصية مغمورة في الحياة الحكومية ، كما لا يدل على نقص في كفاءته جعل رجال الدولة يصرفون النظر عن إسناد بعض المناصب الهامة إليه ، بل إننا نجد في حديث أبو شامة عن بعض أساتذته الذين أعرضوا عن التزلف إلى ذوي السلطان ما يدل على أنه اتخذهم قدوة له ينهج نهجهم ويترسم خطاهم ، فمنذ صغره عندما كان يقرأ القرآن في جامع دمشق ، كان أبو شامة ينظر إلى مشايخ العلم ، كالشيخ فخر الدين أبو منصور بن عساكر ، ويرى طريقه في فتاوى المسلمين وحاجة الناس إليه وسماع الحديث النبوي عليه ، وهو يمر من مقصورة الصحابة رضي اللّه عنهم ، إلى تحت قبة النسر لسماع الحديث ، إلى المدرسة التقوية « 1 » لإلقاء دروس الفقه ، ويرى إقبال الناس عليه وترددهم إليه ، مع حسن سمته واقتصاده في لباسه ، فيستحسن طريقته ويتمنى رتبته في العلم ونشره له وانتفاع الناس بفتاويه .
هامش
( 1 ) أبو شامة : المذيّل ص 37 .