أيها العاذل الذي إن تحرى * قال خيرا ونال بالنصح أجرا
لا تلمني على الفلاحة واعلم * إنها من أحلّ أحب وأثرى
وبها صنت ماء وجهي عن النا * س جميعا وعشت في القوم حرا
إذ بها صار منزلي ذا غلال * مع عيال من بعد ما كان فقرا
وفي هذه القصيدة يوجه حديثه إلى طالب العلم منددا بتكالب العلماء على التزلف إلى ذوي السلطان ، فيقول :
اتخذ حرفة تعيّش بها يا * طالب العلم ، إن للعلم ذكرا
لا تهنه بالاتكال على الوق * ق ، فيمضي الزمان ذلا وعسرا
إنما تحصل الوقوف لشرّ * يد ونذل من العلوم مبرّا
أو لمن يلزم الأكابر لا يب * رح في خدمة لهم ، ومدح وإطرا
طالبا جاههم مجيبا إلى كل * أمور لهم ، عكوفا مصرا
فترى قاضي القضاة ومن يذ * كر درسا يرعاه سرا وجهرا
قاصدا قربة فيصغي إليه * فاعلا ما يريد نفعا وضرا
وقد أطنب كتاب التراجم في مدح صفات أبي شامة الطيبة ، من تواضع وأخلاق حميدة وإطراح للتكلف وحرص على الاجتهاد في الأحكام المختلف فيها ، فلا يفتي إلا بما يراه أقرب إلى الحق وإن كان خلاف مذهبه الشافعي تبعا للأدلة . وجب للعزلة والانفراد ، عزوف عن التردد إلى أبواب أهل الدنيا متجنبا المزاحمة على المناصب لا يؤثر على العافية والكفاية شيئا . ومن شعره في هذا الخصوص « 1 » :
الثوب واللقمة والعافية * لقانع من عيشه كافية
وما يزد فالنفس ليست به * وإن تكن مملكة راضيه
وله أيضا :
أنا في عز القناعة * رافل في كل ساعة
رب أتممها بخير * في معافاة وطاعة
ولا نجد في مؤلفي التراجم من يشذ عن هذا الإجماع في تقدير شخصية أبي شامة وطيب أخلاقه إلا قطب الدين اليونيني ، الذي يتخذ موقفا معارضا ، فيذكر أن أبا شامة كان كثير البغض من العلماء والأكابر والصلحاء والطعن عليهم والتنقيص
هامش
( 1 ) أبو شامة : المذيّل ص 202 .