تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
كما صحب أبو شامة أستاذه علم الدين السخاوي « 1 » ما يقرب من ثلاثين سنة بين سنتي 614 - 643 ه ، وقد كان السخاوي هذا « زاهد في صحبة رجال السلطان » كما كان « متعففا زاهدا مقتنعا باليسير » وكان للناس « فيه اعتاد عظيم . . . فكانوا يزدحمون في الجامع لأجل القراءة ولا يصح لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان » . ومما يدل على زهده وتعففه خروجه مرة مع أبي شامة لزيارة المقابر ، وفي هذه الزيارة لفت نظر أبي شامة إلى بيت كتب على قبر الفقيه ابن الشاغوري يقول :
ما كنت تقرب سلطانا لتخدمه * لكن غنيت بسلطان السلاطين
وتتلمذ أبو شامة كذلك على عز الدين بن عبد السلام الذي أخرج من دمشق سنة 639 ه لقوة شخصيته وخوف سلطانها منه ، فذهب إلى مصر وأقام بها حتى توفي سنة 660 ه وكان عز الدين بن عبد السلام هذا « شيخ المسلمين والإسلام وسلطان العلماء . . . لم ير من رآه مثله علما وورعا وقياما في الحق ، وشجاعة وسلاطة لسان » والسبب المباشر لإخراجه من دمشق أنه أسقط اسم الصالح إسماعيل ، أميرها من الخطبة عندما استعان بالفرنج وأعطاهم مدينة صيدا . وقد ساعد ابن عبد السلام في هذه الخطوة الشيخ جمال الدين ابن الحاجب إمام المالكية ، وعندما وصل إلى مصر تنحى له العلماء عن أماكنهم ، وتأدب معه الشيخ زكي الدين بن عبد العظيم المنذري وامتنع عن الإفتاء من أجله وتقديرا له ، وقال : ليس لها إلا عز الدين . وفي سنة 660 ه توفي ابن عبد السلام في مصر فخرج السلطان بيبرس في جنازته وحدّث خاصته قائلا : « اليوم استقر ملكي لي ، فلو أمر عز الدين الناس في شأني بما أراد لأطاعوه مبادرين » . طالت صحبة أبي شامة لهذين العالمين الجليلين ، ولأمثالهما من أئمة الزاهدين ، فتأثر بهم واتخذهم قدوة ، ومثلا ، فعزف عن المناصب الحكومية ، وترفّع عن التكالب على أموال الأوقاف ، وانصرف مدة ، كما ألمحنا ، إلى بساتينه الخاصة يفلحها بنفسه ويعتمد عليها وحدها في حياته حتى أغنى بيته وتمكن من إسعاد أهله وأقاربه المحتاجين ، وصان وجهه عن الناس وأحسّ بالحرية والاستقلال ، كما يقول في المذيّل « 2 » وقد سجل شعوره هذا في قصيدة أوردها في المذيّل في مائة وعشرة أبيات ، وفيها يقول :
هامش
( 1 ) يذكر أبو شامة أنه استفاد من السخاوي ، علّامة زمانه وشيخ عصره ، علوما جمة كالقراءات والتفسير وعلوم فنون العربية وأنه صحبه من شعبان سنة 614 ه . وقد توفي السخاوي سنة 643 . أبو شامة : المذيّل ص 177 . ( 2 ) أبو شامة : المذيّل ص 222 - 226 .