تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
ومن ذا الذي يسمع من نبيه الأكرم هذا الحديث - وأمثاله كثير - ثم لا يحفظه عن ظهر قلب ، ولا يفني عمره فيه ؛ إن هذا الكتاب العظيم أحق ما يفنى فيه الشباب ، وأجدر ما تنفق فيه الأعمار فلا تعجب إذا كان المسلمون حفظوه غاية الحفظ ، وفهموه غاية الفهم ، وتدبروه غاية التدبر ، وهذا هو ما كان ، وهذا هو ما شهد به تاريخ الأجيال ، وارجع إلى كتاب التواريخ والرجال والطبقات تقف على ما يقنع العقل ، ويثلج الصدر ، ويطمئن القلب .

العامل الثامن إعجاز القرآن ، وسحر بيانه ، وعجائب أسلوبه ، وحلاوة كلامه :

وهذه خصائص للقرآن الكريم ، وقد كانت من أعظم العوامل وأقوى الدوافع إلى حفظ القرآن الكريم . والعرب كانوا أرباب الفصاحة ، والبلاغة وفرسان البيان ، فمن ثم كانت معجزة النبي العظمى القرآن الكريم ، وكان العربي تستهويه الكلمة الفصيحة ، ويكاد يخر ساجدا للكلام البليغ ، ويملك ناصيته البيان المعجز ، والأساليب العجيبة ، ويجد في الكلام الفصيح البليغ حلاوة ليس بعدها حلاوة ؛ لأن فيه إشباعا لغريزته ، وإرضاء لفطرته ، وتنمية لمواهبه . وإليك ما ذكره ابن إسحاق في سيرته عن ثلاثة من فصحاء العرب وبلغائهم ؛ روى عن الزهري قال : حدثت أن أبا جهل ، وأبا سفيان ، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل منهم مجلسا ، فيستمع منه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ! ! وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم انصرفوا . .
المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 416 | محمد بن محمد ابو شهبة