المبحث الثاني رسم القرآن الكريم في عهد الصحابة
تبيّن مما سبق أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفي وعند المسلمين وثيقتان دقيقتان للقرآن الكريم .
1 - الوثيقة الأولى :
وهي جماعة الحفّاظ الذين قرءوا القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم لا يقلّ عددهم عن المائة على أقلّ تقدير ، فقد قتل يوم اليمامة سبعون منهم ، وقتل يوم بئر معونة « 1 » مثل ذلك ، ومن هؤلاء الحفّاظ من عرضه مباشرة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأقام مجالس الإقراء يقرئ الناس فيها ، وقد اشتهر من هؤلاء : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى الأشعري « 2 » .
وكان هؤلاء بمثابة القرّاء الذين يقرءون على شيوخهم فيجيزونهم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثابة شيخ لهؤلاء قرءوا عليه فأجازهم .
كذلك فإن من الصحابة من قرأ على حفّاظ الصحابة في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنهم من أتمّ حفظه عقب وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
أضف إلى ذلك أن هناك من لم يتيسر له حفظ كل القرآن الكريم فحفظ منه أجزاء وأرباعا وسورا متفرقة ، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الألوف ، فبذلك لم تكن في القرآن آية إلّا وقد حفظها المئات من الصحابة على أقلّ تقدير .
2 - الوثيقة الثانية :
وهي الوثيقة المكتوبة ، فمن المؤكد أن كتبة الوحي القرآني كتبوا كل آية في القرآن الكريم في صحفهم كما علمت .
فقد كان الكتبة يتلقفون الآيات عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينسخونها في الصحف فور نزولها ، وربما كتب الآية كاتب واحد أو اثنان أو ربما أكثر من ذلك ، وعن هذه الصحف ، كان كثير من
هامش
( 1 ) سمي هذا البعث الذي بعثه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بئر معونة : بعث الحفّاظ ، وغني عن التعريف أن هؤلاء لم يكونوا يحفظون سائر القرآن الكريم ، إذ لم يكن قد اكتمل نزوله بعد ، ولكن اشتهروا بالحفظ والقراءة .
( 2 ) طبقات القرّاء للذهبي .