تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
فأما المسألة الأولى - وهي لا علاقة لها باختلاف القراءة - فقد اعتمدها الحنفية أصلا في تكافؤ الدماء بين الناس ، فلم يشترطوا التكافؤ في الحرية والدين ، وإنما يكتفى بالتساوي في الإنسانية ، وأمارتها نفخ الروح ، وكذلك فإن النصوص العامة لم تفرق بين مسلم وذمّي
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 2 / 181 ] ، وقوله تعالى :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 5 / 45 ] ، فلو لم يجب قتل المسلم بالذّمي لكان في ذلك إغراء بإهراق الدماء لما بين الفريقين من العداوة في الدين « 1 » . واستدلوا كذلك بما رواه الدارقطني أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقاد مؤمنا بكافر ، وقال : أنا أحق من وفّى بذمته « 2 » . وقد مضى جمهور الفقهاء إلى ردّ اختيار الحنفية ، وشرطوا الإسلام في المقتول لإقامة حدّ القصاص ، إذ الكفر شبهة تنفي المساواة ، والحدود تدرأ بالشبهات ، ولا قصاص مع الشبهة . وردّ الجمهور على حديث الدارقطني بأنه ضعيف ، وقد يحمل على أنه كان قبل تقرير النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقتل مسلم بكافر » « 3 » . وقد تأوّل الحنفية حديث : لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، بأنه خاص بالكافر الحربي ، وهو محلّ إجماع بين الفقهاء « 4 » . وأما الآية فقد قال جمهور المفسرين إنها شرع من قبلنا ، وهو لا يلزمنا ، ولكن الحنفية مضوا على إعماله وفق قاعدتهم في اعتبار شرع من قبلنا مصدرا تشريعيا ، وهو خلاف أصولي مشهور بين علماء الأصول « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر بدائع الصنائع للكاساني 7 / 237 . ( 2 ) في إسناده عبد الرحمن بن البيلساني - بفتح فسكون - مولى عمر ، مدني نزل حرّان ، ضعيف . وروي مرسلا عن محمد بن الحسن . انظر تقريب التهذيب 1 / 474 . ( 3 ) رواه أحمد والنّسائي وأبو داود ، وتمام الحديث في الصفحة الآتية . ( 4 ) انظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور الزحيلي 6 / 269 . ( 5 ) أنقل هنا هذه الأبيات لبيان مذهب الفقهاء في الاحتجاج بشرع من قبلنا ، وهي من منظومة من نحو سبع مائة بيت في الأصول ، نظمتها بتوفيق اللّه عام 1402 ه :واختلفوا في شرعة الذين * من قبلنا ملغية أم دينا فاتفقوا في الأخذ بالأحكام * مما أقر الدين كالصيام