والمعنى ظاهر في انقطاع الكلام قبل
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
، وذلك ظاهر في عدم تشابه الأخبار ؛ إذ خبر الأول كالثاني والثالث والرابع والخامس ، ثم لم يشبهه خبر :
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
.
ولكن معنى عدول الكسائي عن النصب من مطلع الآية غير جلي ، ولكنه أجاب كما نقل عنه أبو زرعة بقوله : حجة الكسائي في ذلك صحة الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قرأ : ( والعين بالعين والأنف بالأنف ) ، ونقل عن الزجاج قوله : « رفعه على وجهين : على العطف على موضع
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
والعامل فيها المعنى ( وكتبنا عليهم النفس ) أي قلنا لهم النفس » .
ونقل عن الفراء كذلك قوله : « إن الرفع أجود الوجهين وذلك لمجيء الاسم الثاني بعد تمام الخبر الأول ، وذلك مثل قولك : إن عبد اللّه قائم ، وزيد قاعد » « 1 » .
وأشبه ما في القرآن من مذهب الكسائي قوله سبحانه :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ الأعراف : 7 / 128 ] ، وقد أجمعوا على رفع
الْعاقِبَةُ
على الاستئناف رغم إمكان عطفها على اسم إن .
وإنما بسطنا القول في تأويله من جهة اللغة لنحقق المقاصد التي فهمها القراء لكل وجه من هذه الوجوه .
ولا شك أن دلالات الآية ، وهي أصل في أحكام القصاص في الفقه الإسلامي ، يستدعي بسط القول في أحكامها إطالة لا تناسب هذه الدراسة ، وإنما نجتزئ منها مسألة واحدة : هل تقتل النفس بالنفس ، وفق ما أدى إليه عموم الآية ، فتشمل بذلك قتل المسلم بالذّمي ، والرجل بالمرأة ، والحر بالعبد ؟ أم تختص هذه الآية بشرع من قبلنا ؟
أما الذي يتصل في هذا المقام فهو مسألة فرعية أخرى ، وهي : هل يلزم القاضي الحكم بأن العين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسّن بالسّن ، والجروح قصاص على أنه شرع لنا ؟ وهو ما دلّت له قراءة الرفع ، أم يستأنس به في القضاء استئناسا على أساس أنه شرع من قبلنا على مذاهبهم في ذلك ؟ وهو ما دلّت له قراءة النّصب .
هامش
( 1 ) حجة القراءات لأبي زرعة 223 .