إذن فهم يدركون ما على الأرض ويبشّرون إخوتهم من المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم بعد على الطريق يشجعونهم على السير ويستحثون خطاهم بأنهم سينالون الأمن وسيزول عنهم كل الحزن ، وسينالون الجزاء الحسن على إيمانهم وأعمالهم الصالحة لأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ، فكيف يحيا الشهداء عند ربهم ؟ ! ما هي الصورة أو الهيئة التي يتشكلون بها ؟ !
لقد رآهم النبي « صلّى اللّه عليه وسلم » في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ثم تأوى إلى مصابيح معلقة بالعرش . إذن فهم في هيئة الملائكة المقربين .
بل إن عوام المؤمنين يتحولون في مدارج الصعود بالبرزخ إلى ملائكة إذ يصيرون من أهل اليمين « 1 » وأهل اليمين هم الملائكة الذين يقفون على يمين القلب الإنسانى يحثونه على الإيمان والطاعة ويحذرونه من الكفر والمعصية ويشهدون على عمله ويسجلونه في الكتاب الذي يلقاه ابن آدم يوم القيامة منشورا .
لم يصرح القرآن في سورة القارعة بالنار ولكنه أشار إليها بذكر الفراش المبثوث لأن الفراش يستدعى إلى قلب الإنسان النار التي يهوى إليها ولكن إذا كان الناس أبناء آدم قد تحولوا إلى ملائكة تشبه الفراش المبثوث فمعنى هذا أن لا شئ من مخلوقات الطين قد بقي في الأرض لأن كل المخلوقات التي ظهرت على الأرض كانت تهدف في غايتها إلى ظهور الإنسان في رداء من الطين والإنسان يعد بالحق هو ثمرة شجرة الخلق كما أجاد وصفه الأستاذ سعيد النورسى فإذا تحول إلى ملك من النور لم تعد هنالك حاجة إلى الطين وكائناته الحية ! ! .
هكذا تفرغ الأرض من سكانها الذين كانوا يعمرونها بالحياة ويزينون وجهها ولم تعد هناك إذن حاجة إلى الجبال ؛ الأوتاد الإلهية التي دقت وغرزت في قشرة الأرض لتحفظ الكائنات الحية بحبال الجاذبية وترفع السماء بحبال الكلمات الإلهية فلا بد حينئذ أن تزول الجبال ولذلك وصف حالها يومئذ قائلا :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
( 5 ) « 2 » .
تتفكك الجبال وتتطاير أشلاؤها المتناثرة مثل فتائل الصوف المنتفخة التي تتبعثر في الفضاء من شدة الريح التي تضربها .
هامش
( 1 ) سورة الواقعة الآية ( 90 - 91 ) « وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين » يعنى إن كان « الروح » الذي خرج من جسد الميت من المؤمنين الطائعين فمصيره أن يكون واحدا من أهل اليمين وهم الملائكة الذين يلقون إليك يا محمد « السلام » من ربك والذين في وسعهم أن يشهدوا مقامك لدى ربك ولكن من يعيد فيلقون إليك بالتحية كالطيور تحوم حول البستان خارج الأسوار أما المقربون فإنهم دخلوا وجلسوا في جوارك المأمول ! ! .
( 2 ) سورة القارعة الآية ( 5 ) .