الذين يحق لهم أن ينسبوا إلى اللّه فهم حقا أبناء « روحه » الساجدون الذين يتقلب فيهم ( النور ) .
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
( 9 ) « 1 » .
لم يجد من الطاعات ما يثقل وزنه لذلك فإنه لا يقدر على مقاومة جذب جهنم له فيسقط فيها كأنه الابن العائد إلى حضن أمه بعد غياب طويل اشتد فيه شوقها إليه فهي تنتظره على أحر من الجمر فإذا تلقفته أمسكت به تدفعه في جوفها المظلم المحترق لا يستطيع الإفلات من قبضتها . إنه لم يغب عنها لحظة واحدة أبدا فهي لم تزل تذكره بمعاصيه التي كان يرتكبها أثناء ابتلائه حتى إذا رأته من بعيد ذليلا مهانا يقف مخذولا وقد تخلت عنه رحمة اللّه يريد أن يفر مفزوعا من هول المفاجأة وبشاعة المنظر فإنها تسرع إليه فتلتهمه قبل أن ينجح في الهرب فتدسه في باطنها الملتهب ولا تفلته .
إنه ابنها الذي رجع إليها بعد أن اشتعل قلبها من الغيظ لبعده عنها . انظر كيف نسب القرآن الكافر لأمه « جهنم » إذ قال « فأمه هاوية » يقصد فإن أم الكافر المتمرد هي النار الكبرى التي تشبه حفرة عميقة لا يرى لها قرار فإذا كانت جهنم « الهاوية » هي أمه بنص الآية فمن هو أبوه ؟ ! حقا إنها استعارة ولكن السؤال يفرض نفسه على المتدبر للقرآن .
لما ذا لم ينسبه إلى أبيه ؟ ! ألم يأمرنا اللّه بأن ننسب الأبناء إلى الآباء لأن ذلك أقسط عند اللّه فمن هو أبو الكافر الذي رفض اللّه أن ينسبه إليه ؟ ! !
لقد تبرأ منه فلم ينسبه إليه بل نسبه إلى أمه التي ولد منها فهو يشبه الابن غير الشرعي الذي لا يعترف أبوه بنسبه إليه لتمرده عليه بإصراره على المعصية ولذلك فإنه يحرمه من ( الميراث ) جزاء وفاقا لسوء عمله و « الميراث » هنا هو الجنة التي عرضها السماوات والأرض .
إن الكافر هو بمثابة الابن غير الشرعي الذي رفض شريعة اللّه وأعلن التمرد عليها وأبوه هو « روح اللّه » النبي الأمى الذي وهب كل شئ حياته وقد أعلن أبوه تبرأه منه ورفض أن يبقيه معه في البيت الذي اختاره لنفسه ؛ جنات عدن التي وسعت السماوات والأرض . لقد طرده من البيت ونسبه إلى أمه جهنم . وهي في هذه الاستعارة البديعة المرأة المكروهة المهجورة التي رفض الأب الرحيم العادل ( روح اللّه ) أن يبقيها في عصمته أو أن يدخل بيتها أو أن ينسب أولادها إلى نفسه إذ هم ليسوا أهلا لرحمته . لقد أعلن
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
« 2 » .
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ
( 11 ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة القارعة الآية ( 8 - 9 ) .
( 2 ) سورة التوبة الآية ( 3 ) لاحظ غياب البسملة من أول السورة لأن هذه السورة تعلن براءة اللّه من المشركين أي طردهم من رحمته فكيف يصدرها ب بسم الله « الرحمن الرحيم » .
( 3 ) سورة القارعة ( 10 - 11 ) .