إنها ريح الغضب الإلهى تنفخها جهنم من قلبها المتقد فإذا زالت الجبال بكل ثقلها ورغم أوزانها الهائلة فمن ذا الذي يستطيع الإمساك بتلك الفراشات الإنسانية الواهنة فتندفع تهوى بجذبة جهنم حيث صار الإنسان أمامها وجها لوجه بلا حجاب تشده من خطاياه التي فاضت بها عليه وقت الابتلاء .
قوة رهيبة تجذب « الإنسان » الذي لم يعد أكثر من فراشة صغيرة تهوى إلى النار فإلى أي شئ يلجأ الإنسان ليستمد القوة التي تحرره من قبضة جهنم التي توشك أن تأخذه من خطاياه إلى باطنها المستعر أي شئ بوسعه أن يقاوم النزاعة للشوى التي تشده ؟ ! إنه العمل الصالح الذي يتجلى في هذه اللحظة الفارقة جوهره ومغزاه . إنه القوة الوحيدة التي بوسعها أن تقاوم جذبة جهنم .
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 7 ) « 1 » .
الموازين هنا هي الموزونات أي الأشياء التي تم اعتبارها ووضعت على الميزان لتقدير ثقلها والمقصود هو الأعمال الصالحة أي الطاعات فإن العمل الصالح هو الشيء الوحيد الذي يقام له وزن في ذلك اليوم فهو العملة الوحيدة التي يمكن التعامل بها في « سوق القيامة » .
فالعبد الذي وزنت له من الأعمال الصالحة وكانت من الثقل بقدر ما يكفى لإكسابه القوة التي يتحرر بها من جذبة جهنم فإنه يخرج من مجال نفوذها إذ يصير ثقيل الوزن فلا تستطيع جهنم أن تخطفه فينزل إلى الأرض التي ستكون موضعا للجنة . . . . . . جنة الخلد حيث ظروف الحياة التي تعطى السعادة الكاملة وهو ما عبرت عنه الآية بالمعيشة الراضية فهي ليست معيشة مرضية من العائش بها فحسب بل هي راضية عنه أيضا وهذا الرضى هو مظهر رضى اللّه سبحانه وتعالى الذي رضى عن العبد فرضى به مقامه في الجنة ورضى العبد عن ربه فرضى عن معيشته التي اختارها اللّه له وتلك المعيشة هي موضع ذلك الرضى المتبادل بين العبد والرب .
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
( 8 ) « 2 » .
فهو مقام لا يحصل عليه إلّا من تحققت فيه خشية اللّه .
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( 119 ) « 3 » .
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة القارعة الآيات : ( 6 - 7 ) .
( 2 ) سورة البينة الآية ( 8 ) .
( 3 ) سورة المائدة الآية ( 119 ) .
( 4 ) سورة المجادلة الآية ( 22 ) .