تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
على هذا النحو البديع يمضى الحوار في القرآن كاشفا بواطن النفوس معلنا عن حرية الإنسان في اختيار مصيره الذي رسمته الأقدار دون قهر أو إجبار في أروع تجسيم للصراع الإنسانى في ميدان الابتلاء . إن القرآن لم يحاول أن يضع نهاية سعيدة زائفة لقصصه لأنه لا يزيف الحقائق بل يكشف عنها في أجلى صورة وما دام الصراع بين « روح اللّه » وبين الشيطان قائما دائما في قلب الإنسان الذي يدخل أتون الامتحان ولا بدّ له من الاختيار بحريته أو بما تفرضه عليه نفسه التي لا يكون شيئا سواها . إذن فهو محكوم عليه بحريته إن صح التعبير والقرآن يعرض عليه الوقائع والنماذج بالحق وعليه أن ينتقى لنفسه ما يرى أنه جدير بها . هذا درس بليغ من القرآن للأدباء . ويجذب انتباهنا بعد ذلك الحوار الداخلي أو حديث النفس ( المنولوج ) وهو أسلوب فنى لم تعرفه العربية قبل القرآن .
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ
( 57 ) « 1 » هذا ما قاله إبراهيم ( عليه السلام ) في نفسه بعد أن اشتبك معهم في حوار ساخن وبخ فيه عبادتهم للأصنام والذي يشد القلب فعلا بروعته هو الانتقال من الحوار الخارجي أو العلني بين « إبراهيم » وقومه إلى الحوار الداخلي أو الباطني بين إبراهيم ( عليه السلام ) ونفسه دون وقوع أي اضطراب في السياق يشعر بحدوث هذا الانتقال من الخارج إلى الداخل فلم يقل مثلا وحدث إبراهيم نفسه قائلا تاللّه لأكيدن أصنامكم . . . إن هذا يشير إلى أن قائل القرآن يعلم كل شئ ظاهرا كان أو باطنا بنفس القدر فلا تختلف درجة الوضوح بالنسبة إليه .
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
( 10 ) « 2 » . ويرسم لنا « القرآن » أزمة المشرك الجاهل الذي يرى في ولادة البنت « عارا » يريد أن يمحوه في تصوير فنى بليغ :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 59 ) « 3 »
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية ( 57 ) . ( 2 ) سورة الرعد الآية ( 10 ) . ( 3 ) سورة النحل الآية ( 58 - 59 ) .