تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فها هو الرجل يجلس في قلق ينتظر البشرى ولكن تأتيه بغير ما يشتهى فيخبرونه بولادة أنثى وكان يريد ذكرا يؤكد به نفسه فتعلو الكآبة وجهه الذي كان يتهيأ للتألق بالفرح ويصير وجهه مسودا من كآبته يفور السخط في قلبه على ما حكم به اللّه ولكنه لا يقدر على البوح بما يغلى في باطنه فيكتمه مما يزيد من غيظ قلبه الذي يمتلئ حتى يضيق بما فيه وتضيق عليه الأرض بما رحبت فيفر من كل شئ لا يريد أن يرى أحد عاره يتوارى من القوم الذين يشمتون به ويعايرونه لا يقدر على مواجهتهم من سوء ما بشر به فما ذا يفعل هل يبقى على هذا المولود الأنثى بالرغم مما سوف يلحقه من مذلة ومهانة أم يحفر حفرة ويدس عاره في التراب ألا ساء ما يحكمون ! ! انظر كيف عبر عن سلوك الرجل « اسوداد الوجه والتواري من القوم » وكظم الغيظ وعن وجدانه الممتلئ بالسخط وحديثه لنفسه « أيمسكه على هون أم يدسه في التراب » فهذه الكلمات تصور أفكاره معبرا بهذه الألفاظ القليلة عن حالته النفسية ظاهرا وباطنا في اقتصاد معجز ودون أن يشعر القارئ بأي حركة فجائية تشى بالانتقال من وصف الخارج إلى تصوير الداخل . ولا شك إن هذه الأمثلة تؤدى بنا إلى التحفة الأدبية الرائعة التي لم تسبقها أية إرهاصات في الأدب العربي يمكن تمهد لها كما لم تلحق بها أية محاولات فهي ترتفع فوق كل ما أنتجه البشر في ميدان القصص أعنى « قصة يوسف » التي احتوت عليها السورة المسماة باسمه « عليه الصلاة والسلام » . لقد وصفها القرآن نفسه بأنها أحسن القصص :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
( 3 ) . « 1 » « القصة » اسم مشتق من فعل « قصّ » الذي يعنى تتبع الأثر الذي يحدثه السائر بقدميه على الأرض وبموجب هذا الأصل ينبغي للقصة كجنس أدبى أو كشكل من أشكال فن الأدب أن تكون رصدا بالكلمات لخطى الإنسان في حركته وهو يعبر تجارب الحياة أي أنها تتبع خطاه على طريق الزمن . هذا هو أصل فن القصة وتعريفها الجامع المانع . ولكن الفن بصفة عامة والأدب على وجه أخص لا يرصد كل التجارب الإنسانية فإنه لا يقدم سجلا شاملا لحياة الإنسان كفرد أو جماعة ولكنه ينتقى التجارب ذات المغزى واللحظات الأكثر جوهرية ومحور الانتقاء قائم على اعتبار أن الفن وسيلة للمعرفة ، معرفة الإنسان لنفسه وللعالم من حوله من خلال تجربته الذاتية عبر « الوجدان » .
هامش
( 1 ) سورة يوسف الآية ( 3 ) .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 70 | توحيد عبد الفتاح الزهيري